الراعي: القلب يعتصر على ضحايا الحرب ونصلّي من أجل إيقافها

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطرانان الياس نصار وانطوان عوكر، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية الأب فادي تابت، بمشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور قنصل جمهورية موريتانيا إيلي نصار، الأمينة العامة للمؤسسة المارونية للانتشار هيام البستاني، وفد من بلدة عين ابل، وحشد من الفعاليات والمؤمنين.

 

بعد الإنجيل المقدس ألقى البطريرك الراعي عظة بعنوان:”أحد الإبن الضال” قال فيها: “إبني هذا كان ميتًا فعاش، وضالًا فوُجد” (لو 24:15)، قال فيها: “تذكر الكنيسة المارونية في هذا الأحد الرابع من زمن الصوم الكبير مثل الابن الضال، الذي أخذ حصته من ميراث أبيه وسافر إلى بلد بعيد. يعلّمنا المعلّم الإلهي يسوع المسيح مفهوم الخطيئة والتوبة والمصالحة وثمارها. إنّه إنجيل الرحمة الإلهية.

 

وقال: “الخطيئة تبدأ بالتعلّق بالعطية ونسيان الله المعطي. هي وهم الاكتفاء بالذات، والاعتقاد بأن الإنسان يستطيع أن يعيش بعيدًا عن مصدر حياته. في الكورة البعيدة ظنّ الابن أنه وجد الحرية، لكنه اكتشف أنه فقد المعنى، وأن البعد عن بيت الآب يقود تدريجيًا إلى الفقر الداخلي، إلى الجوع، إلى انكسار الكرامة. إن الخطيئة تحمل في داخلها نتائجها، فهي تبعد الإنسان عن ذاته الحقيقية وبالتالي تبعده عن الله، إنّه ميت وضال (لو 15: 24)”.

 

وتابع: “التوبة تبدأ بعبارة عميقة: رجع إلى نفسه (لو 15: 17). إنها لحظة نور في وسط الظلام، إنها وقوف مع الضمير صوت الله في أعماق الإنسان، إنها لحظة صدق يرى فيها الإنسان حقيقته دون تبرير أو إنكار. التوبة ليست شعورًا عابرًا بالحزن، بل قرار شجاع بالقيام. الابن لم يكتفِ بالندم، بل قال: أقوم وأذهب إلى أبي (لو 15: 18). في هذه الحركة تكمن قوة التوبة: إنها عودة فعليّة، اعتراف صريح، وثقة بأن الباب ما زال مفتوحًا. التوبة تعيد للإنسان وعيه ببنوّته، وتحرّره من عبودية الكبرياء، وتقوده من أرض الجوع إلى طريق الرجاء”.

 

وأضاف: “المصالحة هي عمل الله المتمثّل بالأب الذي لا يقف منتظرًا ببرودة، بل يركض، يعانق، يقبّل ابنه، ويعيد إليه الكرامة كاملة. المصالحة ليست مجرد تسامح، بل إعادة تثبيت في البنوة، إعادة إدخال إلى البيت، والاحتفال بعودة الابن. إنها فعل حب غير مشروط، يتجاوز الحسابات البشرية. المصالحة في فكر المسيح تعني أن الله لا يكتفي بقبول التائب، بل يحتفل به”.

 

وتابع: “ثمار المصالحة: فرح عميق يملأ البيت، سلام داخلي يستعيده القلب، كرامة تُردّ بعد أن ظُنّت ضائعة، وحياة تبدأ من جديد. كان ميتًا فعاش، وكان ضالًا فوُجد”. هذه العبارة تختصر ثمار المصالحة: انتقال من الموت إلى الحياة، من الضياع إلى الاكتشاف، من العزلة إلى الشركة. المصالحة لا تمحو الماضي فقط، بل تحوّله إلى بداية جديدة، وتجعل الإنسان شاهدًا لرحمة الله”.

 

وقال البطريرك الراعي: “يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، والقلب يعتصر على ضحايا الحرب الدائرة بين حزب الله وإسرائيل وعلى الدمار في البيوت والمؤسسات والبنى التحتية في جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، وقضاء بعلبك. فإنّا نصلّي من أجل إيقاف هذه الحرب وسائر الحروب واستبدالها بالمفاوضات ووقف النار والحوار والعمل الديبلوماسي. نصلّي من صميم قلوبنا من أجل إحلال السلام العادل والشامل والدائم، فالسلام عطية ثمينة من الله. وأوجّه تحيّة خاصّة إلى وفد بلدة عين إبل الجنوبية العزيزة. ونؤكّد لهم قربنا منهم وتضامننا معهم في مأساتهم وقلقهم على المصير. لكنّنا نجدّد معهم إيماننا بالله وبأمّنا مريم العذراء والقديس شربل وسائر قدّيسينا”.

 

وأضاف: “تضعنا الكنيسة اليوم أمام إنجيل الرحمة بامتياز، في مثل الابن الضال. فالليتورجيا تدعونا إلى التأمل في سرّ الله الآب الذي ينتظر عودة الإنسان. في كل احتفال إفخارستي نعيش هذا اللقاء مع رحمة الله. نأتي بما في حياتنا من ضعف، ونسمع كلمة الإنجيل التي تدعونا إلى العودة، ثم نتقدّم إلى المائدة المقدسة حيث يمنحنا المسيح ذاته حياة جديدة. وهكذا تصبح الكنيسة بيت الآب الذي يجمع أبناءه، والإفخارستيا علامة المصالحة والفرح بعودة الإنسان إلى الله”.

 

وتابع: “عِنْدَمَا نُتَأَمَّلُ رحيل الاِبْنِ الضَّالِّ نَكْتَشِفُ أَنَّ اِبْتِعَادَهُ لَم يَكُن خَسَارَةً وَاحِدَةً بَل سِلْسِلَةً مِنَ الخَسَائِرِ الوجوديّة. أَوَّلُ ه?ذِهِ الخَسَائِرِ هُوَ فُقْدَانُ الهُوِيَّةِ؛ فَالإِنْسَانُ فِي عَلاقَتِهِ بِاللهِ يَكْتَشِفُ أَنَّهُ اِبْنٌ، أَمَّا عِنْدَمَا يَبْتَعِدُ عَنْهُ فَيَفْقِدُ مَعْنَى بُنُوَّتِهِ. لِه?ذَا يَقُولُ الاِبْنُ الضَّالُّ عِنْدَ عَوْدَتِهِ: «لَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا» (لوقا 15: 19). أَمَّا الخَسَارَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ فُقْدَانُ الحُرِّيَّةِ؛ فَالشَّابُّ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ذَاهِبٌ لِيَعِيشَ حُرًّا وَجَدَ نَفْسَهُ فِي عُبُودِيَّةٍ، إِذْ يَقُولُ الإِنْجِيلُ: «فَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الكُورَةِ فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ» (لوقا 15: 15). هُنَا يَتَحَوَّلُ حُلْمُ الحُرِّيَّةِ إِلَى مَذَلَّةٍ. أَمَّا الخَسَارَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ فُقْدَانُ الكَرَامَةِ؛ فَرِعَايَةُ الخَنَازِيرِ فِي الثَّقَافَةِ اليَهُودِيَّةِ كَانَتْ رَمْزًا لِلسُّقُوطِ الأَخْلاَقِيِّ وَالطَّهَارِيِّ. وَالخَسَارَةُ الرَّابِعَةُ هِيَ فُقْدَانُ الشِّبَعِ الرُّوحِيِّ؛ إِذْ يَقُولُ النَّصُّ: «وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلَأَ بَطْنَهُ مِنَ الخَرْنُوبِ الَّذِي كَانَتِ الخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ» (لوقا 15: 16). وَالخسارة الخامسة هي فُقْدَانُ الشَّرِكَةِ؛ فَالإِنْسَانُ الَّذِي يَبْتَعِدُ عن الله يجد نفسه في عزلة قاتلة”.

 

وأردف: “مع عودة الابن الضال الى الحضن الوالدي، تَتَحَوَّلُ خساراته الخمسة إِلَى خَمْسَةِ أَرْبَاحٍ عَظِيمَةٍ. فَالأَبُ لا يَسْتَقْبِلُ الاِبْنَ كَخَادِمٍ بَل يُعِيدُهُ اِبْنًا، إِذْ يَقُولُ: «أَخْرِجُوا الحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ» (لوقا 15: 22). فَالحُلَّةُ رِمْزُ الكَرَامَةِ، وَالخَاتَمُ رِمْزُ السُّلْطَانِ وَالاِنْتِمَاءِ، وَالحِذَاءُ رِمْزُ الحُرِّيَّةِ، أَمَّا الوَلِيمَةُ فَهِيَ رِمْزُ الشَّرِكَةِ وَالفَرَحِ. هُنَا يَظْهَرُ وَجْهُ اللهِ كَأَبٍ يَفْرَحُ بِعَوْدَةِ أَبْنَائِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْرَحُ بِبَقَائِهِمْ فِي البَيْتِ”.

 

وأضاف: “إِنَّ مَثَلَ الاِبْنِ الضَّالِّ لَا يَكْشِفُ فَقَطْ عَن خَطِيئَةِ الاِبْنِ الصَّغِيرِ، بَل يَكْشِفُ أَيْضًا عَن خَطِيئَةِ الاِبْن الأَكْبَر. فَهُوَ بَقِيَ فِي البَيْتِ جَسَدًا ل?كِنَّهُ كَانَ بَعِيدًا قَلْبًا. فَهُنَا يَكْشِفُ الإِنْجِيلُ أَنَّ القُرْبَ الحَقِيقِيَّ مِنَ اللهِ لَا يُقَاسُ بِالمَكَانِ بَل بِحَالِ القَلْبِ، وَلَا بِالمدّةِ الَّتِي يقضيها الإِنْسَانُ فِي بَيْتِ الأبِ بَل بِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَفْرَحَ بِرَحْمَته. فَالأَخُ الأَكْبَرُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ البَيْتِ كَمَا خَرَجَ أَخُوهُ، وَل?كِنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَرَحِهِ بعودته”.

 

ورَأَى القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ الاِبْنَ الأَكْبَرَ يُمَثِّلُ كُلَّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَى بَرِّهِ الذَّاتِيِّ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ بِخِدْمَتِهِ لِلَّهِ قَدِ اسْتَحَقَّ نِعْمَتَهُ. وَلِذ?لِكَ كَتَبَ: «كَثِيرُونَ يَبْقَوْنَ فِي بَيْتِ الآبِ جَسَدًا وَل?كِنَّهُمْ بَعِيدُونَ بِقُلُوبِهِمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَفْرَحُونَ بِرَحْمَةِ اللهِ لِلخَاطِئِ».

 

وَتابع: “يُضِيفُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَنَّ خَطِيئَةَ الأَخِ الأَكْبَرِ لَيْسَتْ فِي طَاعَتِهِ بَل فِي عَدَمِ فَرَحِهِ، فَالطَّاعَةُ الَّتِي لَا تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا رُوحَ المَحَبَّةِ تَتَحَوَّلُ إِلَى شَكْلٍ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا قَوْلُهُ: «هَا أَنَا أَخْدِمُكَ منذ سِنِين» (لوقا 15: 29)، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ «أُحِبُّكَ» بَل «أَخْدِمُكَ». وَيَكْشِفُ ه?ذَا المَشْهَدُ أَنَّ الخَطِيئَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا خُرُوجًا صَاخِبًا نَحْوَ «كُورَةٍ بَعِيدَةٍ» (لوقا 15: 13)، بَل قَدْ تَكُونُ صَمْتًا قَاسِيًا يَقِفُ عَلَى عَتَبَةِ البَيْتِ وَيَرْفُضُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى فَرَحِ الرَّحْمَةِ. فَالأَخُ الأَكْبَرُ لَمْ يَسْقُطْ فِي بَذْخٍ وَلَا فِي تَبْذِيرٍ، بَل سَقَطَ فِي شَيْءٍ أَخْطَرَ، سَقَطَ فِي عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى الفَرَحِ بِخَلاَصِ أَخِيهِ”.

 

وَأضاف: “يَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ ه?ذِهِ هِيَ خَطِيئَةُ الحَسَدِ، وَهِيَ مِنْ أَخْطَرِ خَطَايَا القَلْبِ، لأَنَّهَا تَحْزَنُ لِلخَيْرِ الَّذِي يَنَالُهُ الآخَرُونَ”.

 

وختم البطريرك الراعي بالقول: “نصلّي اليوم، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء، من أجل كل إنسان بعيد عن الله، كي يجد طريق العودة. من أجل كل عائلة مجروحة، كي تنال نعمة المصالحة. من أجل وطننا، كي يحفظه الله من حالة الحرب ومن كل اعتداء، ولكي يمنحنا الرب قلوبًا تائبة، وأيادي ممدودة، ونفوسًا متواضعة. فنرفع المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين”.

 

بعد القداس، استقبل الراعي المؤمنين المشاركين في الذبيحة الإلهية.

بالصور-مشاهد توثق الدمار الهائل الذي خلفته الغارات على الضاحية الجنوبية ليلاً

مشاهد صباحية توثق الدمار الهائل الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية فجراً .

WhatsApp Image 2026-03-06 at 9.09.05 AM
WhatsApp Image 2026-03-06 at 9.09.06 AM
WhatsApp Image 2026-03-06 at 9.09.08 AM
WhatsApp Image 2026-03-06 at 9.09.10 AM
WhatsApp Image 2026-03-06 at 9.09.12 AM
WhatsApp Image 2026-03-06 at 9.09.14 AM
WhatsApp Image 2026-03-06 at 9.09.15 AM
WhatsApp Image 2026-03-06 at 9.09.17 AM

حين يتصدّع الإنسان في الحرب قبل الجغرافيا

في الشرق الأوسط اليوم، لا تُقاس الحربُ بعدد الصواريخ فحسب، ولا بمساحة الدمار على الخرائط، بل بارتجافِ قلبِ أمٍّ، وبذهولِ طفلٍ استيقظ مرعوبًا على دويِّ انفجارٍ، وبمدينةٍ تتلاشى ملامحُها كما يذوب الماضي في ذاكرة الإنسان.

من امتداد النيران في أكثر من ساحة، إلى ارتداد شظاياها نحو بلدان الخليج والعواصم العربيّة، وحتّى بلوغ أصدائها شواطئ قبرص، تبدو الحرب موجةً عاتيةً لا تعترف بالحدود، ولا تفرّق بين جبهة وأخرى. إنّها نارٌ تتغذّى على هشاشة الإقليم، وتمتدّ كلما ظنّ البعض أنّها قابلة للاحتواء.

وفي قلب كلّ هذه التفاعلات الإقليميّة، يبقى لبنان ساحة تجربة مؤلمة للإنسان والمجتمع. فالذاكرة هنا مثقلة بلعنة حروب تتكرّر بأسماء مختلفة، ويعود شبح التجربة ليوقظ الهواجس القديمة. فالحرب في لبنان تاريخ حيّ محفور في الجدران، في الوجوه، وفي الوجدان.

وما يزيد المأساة قسوةً أنّ من انبرى لإشعالها مجدّدًا، لم يفعل ذلك سهوًا أو تحت وطأة التباس، بل عن سابق تصوّر وتصميم. زرع الموت وهو يعرف تمامًا أنّ الطريق ينتهي إلى الهاوية. لم يتعثّر؛ اختار السقوط. لم يُخدع؛ قرّر أن يطعن وطنه وشعبه في انتحار معلن، لا يكتفي بنفسه، بل يجرّ الجميع إلى جهنّم مفتوحة على كلّ الاحتمالات.

لم تكن المسألةُ مجرّدَ ثأرٍ، يؤكّد العارفون، بل كانت امتثالًا لطلبٍ إيرانيٍّ قضى بخدمة أهداف طهران الاستراتيجيّة، ومنحها ورقة ضغط إضافيّة في معركتها المفتوحة، من خلال تعريض الأوضاع الأمنيّة والاقتصاديّة في المنطقة والعالم لمزيد من الزعزعة، وزرع القلق والفوضى في الأسواق والمجتمعات.

أحدثت هذه الخطوة، بما انطوت عليه من مخادعةٍ فاضحة، صدمةً عميقةً في الداخل اللبنانيّ، وطنيّةً ووجدانيّةً في آنٍ واحد. فقد ضُرِبَ بعرض الحائط بمصالح الدولة وقرارات الحكومة ورغبة الشعب. وُضع لبنان في قلب عاصفةٍ إقليميّة، ومُنِحَت إسرائيلُ هديّة وذريعةً، رغم أنّها لا تحتاج إليهما، لتفعيل خططها القائمة أصلًا وتوسيع نطاق عمليّاتها، فتمدّدت دائرةُ النار.

هذه ليست حماقةً عابرة، ولا مغامرةً التحفت بخطابٍ حماسيّ ولغةٍ خشبيّة. كَثُرَ مَن قرأها بوصفها خيانةً جماعيّةً مكتملةَ الأركان. خيانة للوطن لصالح بلد آخر حين تُحوَّل ساحته إلى منصّات نار ورسائل دمويّة، وخيانة للمنطق حين يُستبدل العقل بأفعال عبثيّة، وخيانة للإنسان حين يُختزل دمه في حسابات تتغلّب فيها الأيديولوجيا العمياء على كلّ فكر ووعي.

عندها يغدو الخراب مشروعًا، والكارثة خيارًا، والموت منيةً ونشدانًا، كأنّ التضحية بالناس بطولة، وكأنّ المقامرة بالمصير شجاعة.

ومن خارج الحدث اللبنانيّ وتداعياته، الحرب في معناها الوجداني ليست حدثًا عسكريًّا يُدرج في تقارير المساء، ولا في العواجل نهارًا وليلًا؛ إنّها انكسارٌ في ميزان الإنسانيّة. هي اللحظة التي يتراجع فيها صوت العقل أمام صليل السلاح، ويغدو الموت مجرد خبر يمرّ في شريط الأخبار.

ففي الحرب يتبدّل تعريف الأشياء. يتحوّل البيت إلى هدف، والطريق إلى احتمال، والسماء إلى مصدر خوف. يفقد الإنسان بساطته الأولى، ويصبح مشدودًا إلى غريزة البقاء، كأنّ الحضارة التي شيّدها على مدى قرون يمكن أن تنهار في لحظة جنون عقائديّ أو نزوة أيديولوجيّة.

لكنّ الشرّ في الحرب لا يكمن فقط في فعل القتل، بل في التطبيع معه.

حين يصبح الدمار مشهدًا يوميًّا، تتآكل الأخلاقيّات، ويغدو الضمير أقلّ تفاعلًا وأكثر برودًا. تدخل المجتمعات مرحلة خطيرة تتكيّف خلالها مع السواد والدمار. تُبرَّر المآسي بلغة العزّة، وتُختزل الأرواح في أرقام، وتُستبدل الحقيقة بالدعاية. وهكذا، لا تدمّر الحرب الحجر وحده، بل تضرب المعنى في عمقه، وتُربك البوصلة بين الحقّ والقوّة، حتى يكاد الناس ينسون أنّ الأصل يكمن في حماية الحياة لا إدارتها على حافة الفناء.

غير أنّ الخسارة الأكبر تقع دائمًا على كاهل المواطن، هو الذي لا يملك قرار الحرب، ولا رفاهية الهروب من نتائجها. تتبدّل أولوياته من الحلم إلى النجاة، ومن التخطيط للمستقبل إلى تدبير يوم آخر. يعلو منسوب القلق في النفوس، ويعيش الناس بين خوف من القادم وحنين إلى ماضٍ بدا فجأة أكثر أمانًا ممّا ظنّوا. تُستنزف الطاقات، ويكبر جيل على الإحباط بدل أن يكبر على الأمل.

مع ذلك، في قلب هذا الظلام، تظلّ بارقة إنسانيّة تقاوم. في كلّ حرب، ثمّة من يمدّ يده لإغاثة جريح، ومن يفتح بيته لنازح، ومن يصرّ على تعليم طفل رغم القصف. هذه الأفعال الصغيرة هي ما يُبقي المعنى حيًّا وسط الركام. فالحرب، مهما اشتدّت، لا تستطيع أن تلغي جوهر الإنسان إذا تمسّك به. إنّها تختبره، تُعرّيه من أوهامه، وتضعه أمام سؤال أخلاقيّ حاسم. أيّ عالم نريد بعد انقضاء العاصفة؟ عالم الشطط أم عالم المواطنة؟ عالم الخطابات أم عالم الحياة؟

ليست الحرب قدرًا محتومًا، وإن بدت كذلك في لحظات الاحتدام. هي نتيجة قرارات بشريّة وصراعات مصالح. من هنا، فإنّ الخروج منها يبدأ بإرادة تعترف بأنّ الأمن الحقيقيّ يستهلّ بإعادة الاعتبار للإنسان كقيمة عليا، لا كوسيلة في لعبة الأمم، ولا وقودًا لمشاريع تتغذّى من الشرور.

الحرب تصدّع الجغرافيا، نعم، لكنّ أخطر ما تفعله أنّها تصدّع الإنسان من الداخل. فإذا أردنا أن ننجو، علينا أن نُرمّم هذا الداخل أوّلًا، أن نستعيد حسّ التهيّب أمام الموت فلا نعتاده، وأن نرفض البطش مهما تكرّر، وأن نؤمن بأنّ السلام ليس ضعفًا، بل شجاعة أخلاقيّة في وجه الجنون. عندها فقط يمكن للمنطقة، وللبنان، الخروج من دوّامة النار بوعي جديد يضع الإنسان في قلب المعادلة، لا على هامشها.

استشهاد مختار جرّاء غارة

أدّت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الكفور في الجنوب فجرًا، الى استشهاد مختار البلدة توفيق صفا وزوجته، وفق “الوكالة الوطنية للاعلام”.

وتعمل فرق من الاسعاف على سحب جثتيهما من تحت الأنقاض.

الحزب يحذّر أمل

نقلت مصادر جنوبية لنداء الوطن أن قيادة الحزب وجّهت رسائل تحذيرية إلى عدد من قادة حركة أمل على خلفية اعتراضهم على الانخراط في الحرب ورفضهم تعريض أمن الجنوبيين للمخاطر، في خطوة فُسّرت على أنها رسالة ضغط غير مباشرة إلى رئيس مجلس النواب نبيه برّي

تعميم مهمّ من الخارجية… بشأن “حزب الله”

علم موقع mtv أن وزارة الخارجية والمغتربين أصدرت تعميماً إلى البعثات الدبلوماسية والقنصليات اللبنانية في الخارج تحيطهم علما بقرار مجلس الوزراء الذي قضى بحظر النشاطات العسكرية لحزب الله وإلزامه تسليم سلاحه. وأرفقت التعميم بنص القرار باللغات العربية والانكليزية والفرنسية، ودعت بعثاتها إلى إبلاغ مضمونه إلى وزارات الخارجية في دول اعتمادهم والاستناد اليه في كل اللقاءات والاتصالات الرسمية .
وبحسب المعلومات فان وزارة الخارجية ارسلت أيضا نسخة عن قرار مجلس الوزراء إلى كل البعثات الدبلوماسية العربية والأجنبية المعتمدة في لبنان.

إقفال المدارس غدا

أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي في بيان ان “في ظلّ الأوضاع الأمنية الراهنة وحرصاً على سلامة الأسرة التربوية، قررت وزارة التربية والتعليم العالي إقفال المدارس والثانويات الرسمية والخاصة ومؤسسات التعليم المهني والتقني كافة غداً الثلاثاء، على أن تتابع الوزارة تقييم التطورات في شكل يومي بالتنسيق مع الجهات المختصة.

من جهة ثانية أعلنت الوزارة اعتذارها عن عدم استقبال المواطنين وأصحاب المراجعات والمصادقات والمعادلات يوم غد الثلاثاء ، نظرا للظروف الأمنية الراهنة .

وأكدت الوزيرة الدكتورة ريما كرامي إدانة الاعتداءات التي يتعرّض لها لبنان، معلنةً تضامنها مع العائلات النازحة، ووضع لائحة من المدارس الرسمية بتصرّف خطة الاستجابة الوطنية لاستقبالهم وتأمين مراكز إيواء لائقة.

ودعت الوزارة أفراد الأسرة التربوية إلى الالتزام بالتوجيهات الصادرة عنها، متمنّية السلامة لجميع اللبنانيين”.

جلسة طارئة لمجلس الوزراء: حظر نشاطات “حزب الله” والزامه تسليم سلاحه

قال رئيس الحكومة نواف سلام بعد انتهاء مجلس الوزراء : دان مجلس الوزراء اطلاق الصواريخ من لبنان وهو يشكل خروجا على الاتفاق ومقررات مجلس الوزراء.

اضاف:” اعلنت الدولة رفضها المطلق لاي اعمال عسكرية تنطلق من اراضيها وتؤكد ان قرار الحرب والسلم بيدها ما يستدعي حظر نشاطات الحزب والزامه تسليم سلاحه والتزام العمل السياسي. وطلبت الحكومة من الاجهزة الامنية تنفيذ ما ورد لمنع القيام باي عمليات عسكرية وتوقيف فاعليها.وطلبت من قيادة الجيش المباشرة بتنفيذ الخطة في شقها المتعلق حصر السلاح شمال الليطاني”.

والتأم مجلس الوزراء في جلسة طارئة في القصر الجمهوري عند الساعة الثامنة من صباح اليوم برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وحضور رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء وقائد الجيش العماد رودولف هيكل .

سبق الجلسة اجتماع بين الرئيسين عون وسلام بحث في المستجدات.

ويبحث المجلس في الأوضاع المستجدة منذ منتصف الليل وتداعياتها واتخاذ الاجراءات اللازمة.

و‏‏استُهلّت الجلسة بالوقوف دقيقة صمت حدادًا على أرواح الشهداء الذين سقطوا في الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، وذلك بطلب من رئيس الجمهورية..

وأفيد ان قرارا مهماً سيصدر عن مجلس الوزراء.

اتصال مطوّل بين الجميّل وجعجع

أجرى رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل اتصالاً هاتفياً مطوّلاً برئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، لتنسيق الموقف عقب توريط حزب الله لبنان مجددّاً في دوّامة العنف. 

واتفق الجانبان على إبقاء التواصل مفتوحاً في ظل التطورات الراهنة.

افرام: ما حدث فعل مقصود وانقلاب على السيادة

كتب النائب نعمة افرام عبر حسابه على منصّة “إكس”:

“ما حدث لا يُقبَل ولا يُبرَّر تحت أي ذريعة. إنّه فعلٌ مقصود يشكّل إجرامًا موصوفًا وتحدّيًا سافرًا للدولة واستخفافًا بإرادة اللبنانيين. هو تمرّدٌ على الدستور والمؤسّسات، وانقلابٌ على السيادة وحقّ اللبنانيين في أن تُصان مصالحهم.

المطلوب فوراً موقفٌ كبير وحازم: أن تستعيد الدولة قرارها ممّن قدّم مصلحة إيران على مصلحة لبنان، وأن تؤكّد احتكارها الحصريّ للسيادة وتضع حدًّا لأي تمرّد… الآن، قبل فوات الأوان.

‏أمام التاريخ أقول: بعملهم هذا أعطوا الحجة لاجتياح جنوب لبنان وربما خسارته”.

هل تُغلق المدارس أبوابها غداً؟…إليكم قرار وزارة التربية!

صدر عن وزارة التربية والتعليم العالي البيان التالي: “في ضوء التطورات الخطيرة التي تشهدها المنطقة، والمخاوف حول مضاعفاتها، تؤكد وزارة التربية والتعليم العالي حرصها المطلق على سلامة الأسرة التربوية، وعلى استمرارية التعليم بما يراعي الواقع الإنساني والنفسي للتلامذة والعاملين في المدارس.

وبناءً عليه، تطلب الوزارة من مديري المدارس والثانويات الرسمية والخاصة، تقدير أوضاع مؤسساتهم، واتخاذ القرار المناسب لجهة الاستمرار بالتعليم الحضوري أو تعليق الدروس ليوم غد الاثنين، وذلك تبعًا للمعطيات المحلية والظروف النفسية والاجتماعية المحيطة بكل مدرسة.

وتؤكد الوزارة أنها ستتابع الوضع يوميًا عن كثب، وستصدر القرارات تباعًا وفق تطور الأوضاع ضمانًا لحق التلامذة في استمرار في التعلم في مختلف الظروف. وفي كل الحالات، تشدد الوزارة على أهمية احتضان التلامذة نفسيًا، وتخصيص مساحة تربوية إنسانية داخل الصفوف للتعبير والحوار الهادئ، بما يحفظ التنوع في الآراء ويصون وحدة المجتمع المدرسي. إن المدرسة تبقى مساحة أمان وحوار واحترام للتعددية، وتلتزم الوزارة بأن تبقى قراراتها منطلقة من مسؤوليتها الوطنية والتربوية، بعيدًا عن أي اصطفاف، ومتمسكة بثوابتها في حماية حق جميع الطلاب في بيئة تعليمية آمنة ومستقرة”.

قاسم ينعى خامنئي: سنقوم بواجبنا في التصدي للعدوان

صدر عن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، ما يلي: 

‏”وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ”‏.
نُعزي ونُبارك لِصاحب العصر والزمان الإمام المهدي (عج) والأمة الإسلامية، وأحرار العالم، والشعب الإيراني العظيم، ‏بالشهادة العظيمة المباركة لِقائدنا وولينا الإمام السيد علي الخامنئي (قدس سره) الذي حصل على أعظم أوسمة العزة ‏والإخلاص والمقاومة والتفاني في سبيل الله تعالى وهو وسام الشهادة على طريق سيد الشهداء الإمام الحسين (ع).‏

انني واذ أنعى العالم الرباني والقائد الالهي بقلب مثخن بالألم والجراح، ونفس مملؤة بالحزن والوجع، فإنني اشعر في الوقت ‏عينه بالفخر والاعتزاز الكبيرين ان قائد الامة ومرشدها وولي امرها، قد ارتقى إلى رحمة ربه ورضوانه في اعظم الشهور ‏وأفضل الايام شهر رمضان، وهو يقود مسيرة الجهاد والمقاومة ضد الطغاة والمتجبرين الاميركيين والاسرائيليين، من أعداء ‏الدين والإنسانية، لينال بذلك الفوز العظيم والشرف الرفيع، اذ ختم حياته الشريفة المباركة، بوسام الشهادة الإلهي.‏
لقد عرج ولينا وقائدنا إلى السماء واقفاً صامداً شجاعاً، ومحتسباً أجره على الله تعالى، وقد ترك من بعده عشرات الملايين من ‏عشاق الولاية، ومن القادة الذين سيستمرون في حمل الراية ومتابعة المسيرة، ومن الشعوب التي ستبقى في الميدان تصدح ‏بالإسلام المحمدي الأصيل ونصرة الحق والعمل لتحرير فلسطين والقدس، وبالمقاومة التي تنقذ المستضعفين من نير ‏الاستكبار والاحتلال والتبعية والاستسلام.‏
أن يستهدف العدوان الأميركي الطاغوتي والصهيوني المجرم ولينا وقائدنا وقائد الأمة الإمام الخامنئي (قده) وثلة من القادة ‏والمسؤولين وأبناء الشعب الإيراني الأبرياء، فهذا قمة الإجرام، وهذا الاغتيال هو وصمة عار على جبين البشرية جمعاء، ‏حيث يظلم قتلة الأنبياء الصهاينة شعوب العالم باستبداد مدعوم من الشيطان الأكبر أميركا، في إطار عدوان آثم وخطير على ‏الجمهورية الإسلامية الإيرانية وما تُمثله لشرفاء وأحرار العالم ومقاوميه.‏
إننا في حزب الله والمقاومة الإسلامية في لبنان وكل المؤيدين الداعمين لهذا الخط الخميني الأصيل، سنواصل الطريق بِعزم ‏وثبات وروحية استشهادية لا تعرف الكلل والملل، ولا ترضى الذل، وسنكون دائماً في طليعة المجاهدين لِتحرير الأرض ‏والإنسان على نهج سيد شهداء الأمة السيد حسن نصرالله (قده).‏

سنقوم بواجبنا في التصدي للعدوان، واثقين بنصر الله وتسديده وتأييده. ‏‎‎‏”وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”.‏
ومهما بلغت التضحيات لن نترك ميدان الشرف والمقاومة ومواجهة الطاغوت الأمريكي والإجرام الصهيوني للدفاع عن ‏أرضنا وكرامتنا وخياراتنا المستقلة.‏

باسمي وباسم اخواني في قيادة شورى حزب الله وكل ابناء ومجاهدي حزب الله ومجتمع المقاومة في لبنان، اتقدم باسمى ايات ‏العزاء والتبريك لِصاحب العصر والزمان (عج) والمراجع العظام والحوزات العلمية والأمة الإسلامية جمعاء وأحرار ‏ومُستضعفي العالم، والإخوة الاعزاء في قيادة الجمهورية الإسلامية ومن رئيس الجمهورية الإيرانية والحكومة والبرلمان ‏والجيش الإيراني وحرس الثورة الإسلامية والشعب الإيراني العظيم والعائلة الشريفة والمضحية للسيد القائد، على هذا ‏المصاب العظيم، ونعاهدك سيدي ايها القائد الخامنئي بالثبات على نهجك وخطك، خط الجهاد والمقاومة ومقارعة المستكبرين ‏ونصرة الحق والمستضعفين، بيقين راسخ وعزم لا يلين، حتى تحقيق كل القيم والمباديء والثوابت، في العزة والكرامة ‏والسيادة والحرية والاستقلال التي أفنيت عمرك الشريف خدمة لها وفي سبيلها.‏