أعاد الجدل حول اقتراع اللبنانيين غير المقيمين إحياء إشكالية قانونية دقيقة تتصل بما يُعرف بـ”الدائرة الانتخابية السادسة عشرة”، المنصوص عليها في قانون الانتخاب رقم ٤٤/٢٠١٧، والمخصّصة لانتخاب ستة نواب عن الاغتراب.
المسألة المطروحة اليوم ليست سياسية بقدر ما هي قانونية بحتة:
هل يمكن عملياً عدم تطبيق دائرة انتخابية منصوص عليها في قانون نافذ، استناداً إلى اعتبارات تنظيمية أو لوجستية؟
وهل يشكّل ذلك تجاوزاً لحدود السلطة التنفيذية، أم ممارسة مشروعة ضمن هامشها الإداري؟
أولاً: ما الذي ينص عليه القانون؟
قانون الانتخاب رقم ٤٤/٢٠١٧ نص صراحةً على:
حتى تاريخه، لم يصدر أي تعديل تشريعي يُلغي هذه الدائرة أو يعلّق نفاذها. وبالتالي، من حيث المبدأ، يبقى النص قائماً وملزماً.
وهنا يبرز المبدأ الدستوري الأساسي:
السلطة التنفيذية مقيّدة بالقانون، ولا تملك صلاحية تعطيل نص تشريعي نافذ.
ثانياً: أين تكمن المشكلة التنفيذية؟
في المقابل، يطرح الواقع العملي إشكاليات جدية:
وهنا يظهر سؤال جوهري:
هل يؤدي غياب هذه العناصر إلى استحالة تنفيذ النص؟ أم أن الأمر يتعلق بتقصير إداري قابل للتدارك؟
ثالثاً: مفهوم “الاستحالة التنفيذية” في القانون الإداري
استقر اجتهاد مجلس شورى الدولة على مبدأ مهم مفاده أن الإدارة لا تُلزم بتنفيذ ما يستحيل تنفيذه مادياً أو قانونياً.
لكن هذا المبدأ ليس مطلقاً.
فالقضاء الإداري يميّز بين:
إذا كانت الاستحالة حقيقية ومثبتة، فقد يُعتبر تعليق التنفيذ إجراءً مشروعاً حفاظاً على انتظام المرفق العام.
أما إذا كانت نتيجة إهمال أو امتناع غير مبرر، فقد يتحول القرار إلى مخالفة لمبدأ المشروعية.
رابعاً: هل مرسوم دعوة الهيئات الناخبة قابل للطعن؟
مرسوم دعوة الهيئات الناخبة يُعدّ عملاً إدارياً تنظيمياً، وبالتالي يخضع من حيث المبدأ لرقابة مجلس شورى الدولة، وإن كانت هذه الرقابة محدودة في ما يتصّل بالعملية الانتخابية حفاظاً على استقرار الاستحقاق.
في حال تم استبعاد الدائرة 16 عملياً من التطبيق، قد يُطرح طعن يستند إلى:
إلا أن نجاح أي طعن سيبقى مرتبطاً بسؤال أساسي:
هل تملك الإدارة فعلياً الوسائل اللازمة للتنفيذ ضمن المهلة الدستورية؟
خامساً: تعارض المبادئ الدستورية
الأزمة لا تتعلق بنص واحد، بل بتصادم مبادئ دستورية متعددة:
• (مع الإشارة إلى أن رأي هيئة التشريع والاستشارات كان قد أثار مسألة مبدأ المساواة بين الناخبين في حال اعتماد آلية اقتراع لا تنسجم مع النص القانوني النافذ، الأمر الذي يعكس حساسية تنظيم اقتراع غير المقيمين وأثره المباشر على تكافؤ الحقوق السياسية.
غير أن هذا النقاش لا ينحصر في مدى احترام النص فحسب، بل يمتد أيضاً إلى مدى انسجام أي نظام اقتراع منفصل مع مبدأ وحدة الجسم الانتخابي وتكافؤ التأثير الانتخابي بين المقيمين وغير المقيمين.)
وفي حال تعذّر التوفيق الكامل بين هذه المبادئ، يميل القضاء عادةً إلى تغليب انتظام الاستحقاق الدستوري ومنع الفراغ، مع تحميل المشرّع مسؤولية معالجة الخلل التشريعي.
سادساً: أين تقع المسؤولية؟
إذا كانت الدائرة ١٦ قائمة قانوناً لكنها غير قابلة للتطبيق عملياً، فإن الإشكالية تكشف خللاً تشريعياً-تنظيمياً مزدوجاً:
غير أن السلطة التنفيذية، مهما كانت مبرراتها، لا تملك صلاحية إلغاء دائرة انتخابية بحكم الواقع.
أقصى ما يمكنها فعله هو تبرير عدم التطبيق مؤقتاً استناداً إلى ظروف قاهرة، على أن يبقى الحل النهائي بيد السلطة التشريعية.
في المحصّلة،
إسقاط دائرة انتخابية لا يتم إلا بقانون.
أما الامتناع عن تطبيقها لأسباب تنظيمية، فيبقى إجراءً استثنائياً لا يُبرَّر إلا في حال ثبوت الاستحالة الفعلية، لا التقصير الإداري.
أزمة الدائرة ١٦ ليست نزاعاً تقنياً، بل اختبار لحدود المشروعية الإدارية في مواجهة نص تشريعي نافذ.
فإما أن يُعدَّل القانون صراحةً، وإما أن تُستكمل أدوات تنفيذه.
أما الحلول الرمادية، فتبقى عرضة للنقاش القضائي والسياسي معاً.

