أبرز العناوينأنا المهزوم... في زمن المنتصرين

أنا المهزوم… في زمن المنتصرين

كتب أنطوان العويط

ما أكثر المنتصرين في أعقاب تلك الحروب اللعينة التي أحرقت المنطقة، وما أقلّ الذين يجرؤون على مواجهة الهزيمة.

أنهض كلّ صباح، فلا يطلّ عليّ فجرٌ صافٍ أو هادئ، بل مواكب من المستقوين، المزهوّين، المتباهين، يلوّحون ببيارق السيطرة، ويهتفون لانجازاتٍ لا يُرى منها إلاّ غمامة سوداء، ولا يُسمع منها إلا صدى الهلاك.

يطلّ عليَّ أولُهم من وراء المحيط، كلَّ يومٍ، قرابة الثالثة بعد الظهر بتوقيت بلادي، كأنّ استيقاظه حدثٌ وموعدٌ كونيّ. وما إن يغادر فراشه حتى يعيد، في خياله، ضبط عقارب العالم على توقيت أمجاده. سطورٌ قليلة تكفي لتفيض بها الشاشات والمنصّات والعناوين، محمّلة بخطابات المنعة وجنون العظمة وتأليه الذات.

ثم تمضي مواكب المتفوّقين تباعًا. من جمهوريّة الصبر الإلهي يتصاعد الدخان في هيئة بلاغ، وتتعالى التغريدات كطبول حربٍ لا تعرف السكون. ويقابلها، بما هو أدهى وألعن، عدوُّها اللدود القابع إلى جنوب وطني، فيردّ بخطابٍ لا يقلّ غطرسةً، ولا ينقص افتتانًا بالقوّة والدم، وكأنهما يتنازعان راية النصر فوق هشيمٍ يتّسع كلما اشتدّ الصراع.

وبين هذا وذاك ولكلّ من يعنيه الأمر، يقف لبنان، وحيدًا، يتلقّى ارتدادات انتصارات الآخرين، فلا يحصد منها إلاّ الفناء. هنا، في السرّ كما في العلن، يتحدّث بعضهم ببلاغة التمكّن، ويتوّج آخرون أنفسهم ملوكًا على أرضٍ لم يبقَ فيها سوى مخلّفات النار. يرفعون كؤوس النصر فوق أنقاض الخرائط، ويعلّقون أوسمة المجد على شواهد الأضرحة، وكأنّ الخراب صار اللغة الوحيدة للاحتفال.

لا أريد أن أخوض مع هؤلاء جميعًا جدالًا حول مآثرهم؛ فكيف يُقنع المرء من اتخذ من الحرائق أفقًا، ومن الركام عرشًا، ومن الأحمر القاني برهانًا على نصرٍ يتوّجه إكليلُ الغار؟ ولن أرهق نفسي بسؤال العالم عن صمته، ولا المنظمات الأمميّة والدوليّة عن غيابها؛ فالأسئلة نفسها شاخت، وأصابها اليأس قبل أن تبلغ أبواب الأجوبة.

أسأل فقط أيُّ انتصارٍ هذا الذي يمرّ عبر أبواب المدن، فلا يترك فيها سوى نوافذَ مطفأة، وقرىً ممحوّة، وبيوتًا مدمّرةٍ نسيت أصواتَ ساكنيها، وحقولًا عاقرةٍ نسيت مواسمَ القمح وبُسُطَ التبغ، وأطفالًا يتعلّمون أسماءَ الصواريخ قبل أسماء الطيور والزهور، وأشجارًا هرمت وهي تودّع أفواجَ المهجّرين والمهاجرين؟

وكيف تجرؤون على كتابة أناشيد الفوز، فيما الموت لم يغادر المكان بعد، وما زالت الأشلاء أبلغ من كلّ رواياتكم؟

ليتكم تمنحوننا صمتكم كنعمةً واحدة. فقد أثقلتنا بياناتكم أكثر من المدافع، وأرهقتنا شعاراتكم أكثر من الحروب. أنتم الذين جعلتم من الموت حرفةً، ومن السلاح عقيدةً، ومن الدمار عيدًا تتبادلون فيه التهاني.

لا أحسدكم على انتصاراتكم – أقولها لهذا وذاك ولكلّ من يعنيه الأمر – بل أشفق عليها؛ فهي تيجانٌ صيغت من جمر الأمكنة، ونياشين نُحتت من عظام الضحايا، وأمجادٌ لا تجد من يصفّق لها إلاّ الأطلال.

وأشفق أكثر على زمنٍ انقلبت فيه المعايير، حتى غدا الرقص على الجثث استعراضًا للصلابة، وصار الحطام يسوَّق بوصفه نصرًا، فيما الإنسان هو الخاسر الوحيد في كلّ معركة.

أما أنا، فكلُّ ما أملك أن أعلنه على الملأ أنني مغلوب، وأن أشهر خذلاني وقهري ونكبتي، أنا المواطن المسحوق المنكوب.

أنا مهزوم، نعم، لكن هزيمتي ليست عارًا، بل وجعُ من يرى المركب اللبناني يغرق، فيما ركابه يتجادلون حول لون الأشرعة. لا أطلب شفاعة دولة ما، ولا أنحاز إلى حزب، ولا أبحث عن غلبةٍ لفئةٍ على أخرى. أريد فقط أن يبقى هذا الوطن واقفًا، ولو على عكاز الأمل.

وأنا مكسورٌ، لا لأنني خسرتُ حربًا، بل لأنني رأيت وطني يُستنزف مرةً بعد أخرى، فيما يتقاسم المتصارعون أثره كما لو أنّه غنيمة، في واشنطن وقبلها في إسلام آباد والبارحة في سويسرا، ويتناوبون على أشلائه كفريسة مباحة بعد المعارك.

لبنان لم يعرف الراحة منذ أواخر الأربعينيات. كان عصيًّا على الموت، لكنّه لم يكن يومًا منتصرًا كما يدّعي تجّار الحروب. كان ينجو في كلّ مرة بأعجوبة، ثم يُساق من جديد إلى المقصلة نفسها، وكأنّ قدره أن يكون الوقود الدائم لمعارك الآخرين.

الهزيمة ليست أن يسقط شعب، بل أن يُؤمر بالاحتفال بسقوطه، وأن يرفع رايات النصر فوق أنقاض بيوته، وأن يسمّي الرماد رفعةً، والارتهان سيادًة واستقلالًا.

لبنان لم يعد يحتاج إلى شجاعة الزناد، بل إلى جرأة الضمير؛ إلى بسالةٍ تعترف بأنّ الوطن أكبر من العقائد، وأبقى من المحاور، وأسمى من رهانات الشدّة. وطنٌ لا يجوز أن يُختطف باسم قضايا إسناد، ولا أن يُقاد رهينةً إلى موائد المقامرين بمصائر الشعوب، لأنّ الأوطان لا تُبنى بالولاءات الخارجيّة، بل بإرادة أبنائها، ولا تحيا بالبندقية، بل بالإنسان.

ولبنان ليس جائزةً لمن يغلب، ولا مكسبًا لمن يفوز. إنّه بيتُ شعبٍ أنهكته الحروب حتّى كاد ينسى شكل الوجود ونبضه. شعبٌ لا يطلب معجزةً، بل فرصةً واحدة واحدة ليكتب تاريخه بقلم أبنائه، لا بمدافع الآخرين.

لكن مهلًا… هزيمتي ليست استسلامًا، ولا رايةً بيضاء. إنّها آخر ما تبقّى من قدرتي على صدّ الرياء؛ أن أرفض تسمية المدافن وطنًا، وبقايا اللهيب شرفًا، والدم بابًا إلى الخلاص.

ولعلّ الانتصار الحقيقيّ يبدأ يوم نصمت أمام إغراء الحرب، وننحني احترامًا للحياة، ونكفّ عن قياس العزّة بعدد القتلى. يومها فقط، لن يضطر لبنانيّ إلى الاعتذار لأنّه ما زال حيًّا، ولن يخجل طفلٌ من أن يحلم بوطنٍ يشبه الحياة أكثر مما يشبه المقبرة.

- إعلان -
- إعلان -
- إعلانات -
- إعلانات -

الأكثر قراءة

- إعلانات -
- إعلانات -
- إعلان -
- إعلان -