في بلد أنهكته الأزمات، لم يعد اللبنانيون ينتظرون الخطابات بقدر ما ينتظرون قوانين تعالج مشاكلهم اليومية. فمن يبحث عن قرض سكني، أو ينتظر تسوية لوضعه الوظيفي، أو يطالب بحقوق مهنية مؤجلة منذ سنوات، لا تعنيه السجالات السياسية بقدر ما تعنيه النتائج.
ومن هذه الزاوية، برزت خلال الأسابيع الأخيرة وتيرة العمل داخل لجنة المال والموازنة في مجلس النواب، برئاسة النائب إبراهيم كنعان، حيث تحولت جلساتها إلى ورشة تشريعية تناولت ملفات مالية واجتماعية ومهنية واقتصادية تمس شرائح واسعة من اللبنانيين.
وفي الملف الاجتماعي، سجّلت اللجنة واحدة من أبرز خطواتها بإقرار اقتراح قانون، مقدم من النائب سيمون أبي رميا، يضع مهلة زمنية للبت بطلبات القروض لدى المؤسسة العامة للإسكان، بما يهدف إلى تسريع إنجاز معاملات نحو 50 ألف عائلة، ويفتح المجال أمام نحو 1000 عائلة للاستفادة من قروض جديدة، في ظل أزمة سكن تتفاقم عامًا بعد عام.
وفي الملف المالي، برز موقف اللجنة من مشروع قانون الانتظام المالي (الفجوة المالية) بصيغته الحكومية، إذ رفضت السير به كما أُحيل، معتبرة أن الصيغة المطروحة لا تتضمن مصادر تمويل واضحة ولا توفر معالجة متوازنة لحقوق المودعين، في أحد أكثر الملفات حساسية منذ بداية الأزمة المالية.
أما مشروع “الإقامة الذهبية”، الذي أحالته الحكومة، فقد خضع لمراجعة تفصيلية داخل اللجنة. وأدخلت عليه تعديلات شملت إخضاعه لأحكام قانون تملك الأجانب، واشتراط تحويل الأموال من الخارج، وربطه بأحكام القانون رقم 44 المتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، في محاولة لتشديد الضمانات القانونية والمالية المحيطة به.
وامتد عمل اللجنة إلى ملفات مهنية وإدارية بقي عدد منها عالقًا لسنوات، فأقرت إنشاء صندوق تقاعدي للطوبوغرافيين، وتسوية أوضاع رتباء وأفراد الضابطة الجمركية، كما أقرت قانون طابع المختار وتمويل صندوق المختارين، الذي منح المختارين جعالة بنسبة 5% من رسم الطابع المالي، مستجيبًا لمطلب مزمن لهذه الفئة.
كما أقرت اللجنة خمسة قوانين إضافية تعالج أوضاع متفرغين في تعاونية موظفي الدولة، والدفاع المدني، وخبراء المحاسبة المجازين، والممرضين والممرضات، إضافة إلى إقرار زيادة حصة لبنان في البنك الأوروبي، بما يتيح توسيع قاعدة الاستثمارات وتمويل مشاريع تنموية.
وتكشف هذه الحصيلة أن عمل لجنة المال لم يعد يقتصر على مناقشة الموازنة العامة أو القوانين المالية التقليدية، بل امتد إلى ملفات تمس الإدارة العامة، والقطاع الصحي، والمهن الحرة، والإسكان، والاستثمار، وحقوق المودعين، وهو ما جعلها من أكثر اللجان النيابية نشاطًا على المستوى التشريعي خلال المرحلة الأخيرة.
وفي موازاة هذا النشاط، يؤكد كنعان أن هذه القوانين، على أهميتها، لا تشكل بديلًا عن الإصلاح المالي والاقتصادي الشامل، وأن معالجة الأزمة اللبنانية تبقى مرتبطة بخطة متكاملة تشمل حماية الودائع، وإصلاح القطاع المصرفي، وإعادة انتظام المالية العامة، واستعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.
وفي زمن يكثر فيه الحديث عن التعطيل والجمود، يبقى الحكم على أي لجنة نيابية مرتبطًا بما تنتجه من قوانين وما تحققه من تقدم في الملفات التي تلامس حياة الناس. ومن هذه الزاوية، تبدو لجنة المال والموازنة، برئاسة النائب إبراهيم كنعان، نموذجًا للجنة حافظت على ورشة تشريعية متواصلة، تاركةً للتطبيق العملي وللرأي العام الكلمة الفصل في تقييم أثر هذه التشريعات.






