هناك من يخسر فيحترم إرادة الناس، وهناك من تهزمه الصناديق فيفتش عن ختمٍ يعوّض به ما عجز عن تحصيله بالأصوات. في قضية نادي بجّه الرياضي الثقافي المختلط، نحن أمام فريق لم يتقبّل هزيمته السياسية، فحمل عجزه إلى مؤسسات البلدة، محاولاً تحويلها إلى غنيمة تعويضية عن خسارة لم ولن يستطيع ابتلاعها.
ﻟﯿﺴﺖ ﻗﻀﯿﺔ ﻧﺎدي بجه ﺧﻼﻓﺎً ﺑﯿﻦ أﻋﻀﺎء داﺧﻞ ھﯿﺌﺔ إدارﯾﺔ، وﻻ ﻧﺰاﻋﺎً ﺑﯿﻦ رﺋﯿﺲ وأﻋﻀﺎء ﻣﺴﺘﻘﯿﻠﯿﻦ، وﻻ إﺷﻜﺎﻻً إدارﯾﺎً ﺣﻮل ﻋﺪد اﻟﺤﺎﺿﺮﯾﻦ وﻣﻔﺎﻋﯿﻞ اﻻﺳﺘﻘﺎﻻت. ھﺬه ﺻﻮرة ﺳﻄﺤﯿﺔ ﯾﺮاد ﺗﺴﻮﯾﻘﮭﺎ ﻟﺘﻐﻄﯿﺔ ﺣﻘﯿﻘﺔ أﻋﻤﻖ: ﺛﻤﺔ ﻣﻦ دﺧﻞ ﻋﻠﻰ ﺧﻂ اﻟﻨﺎدي ﻣﻦ ﺧﺎرج سياقه اﻹداري اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ، وﻣﻦ ﺧﻠﻔﯿﺔ ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ واﺿﺤﺔ، وﺗﺤﺪﯾﺪاً ﻣﻦ ﻓﺮﯾﻖ ﺧﺴﺮ ﻓﻲ اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﺎت اﻟﺒﻠﺪﯾﺔ اﻷﺧﯿﺮة وﻟﻢ ﯾﺘﻘﺒّﻞ اﻟﺨﺴﺎرة.
ﻓﺮﯾﻖ ﻓﺸﻞ ﻓﻲ ﻛﻞّ ﺷﻲء..اﻻ ﻓﻲ اﻟﺘﺰوﯾﺮ: ﺗﺰوﯾﺮ اﻻﺧﺘﺎم، ﺗﺰوﯾﺮ اﻟﺘﻮاﻗﯿﻊ وﺗﺰوﯾﺮ اﻟﺤﻘﺎﺋﻖ، ﻓﺮاح ﯾﻔﺘﺶ ﻋﻦ ﺳﺎﺣﺎت ﺑﺪﯾﻠﺔ ﻟﺘﻌﻮﯾﺾ هزيمته ﻋﺒﺮ اﻟﻌﺒﺚ ﺑﻤﺆﺳﺴﺎت اﻟﺒﻠﺪة وﻣﺤﺎوﻟﺔ ﺗﺨﺮﯾﺒﮭﺎ ﻣﻦ اﻟﺪاﺧﻞ، ﺗﻤﮭﯿﺪاً ﻟﻮﺿﻊ اﻟﯿﺪ ﻋﻠﯿﮭﺎ أو ﺗﻌﻄﯿﻠﮭﺎ. ﻣﻦ ھﻨﺎ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﻣﻠﻒ ﻧﺎدي بجه ﻛﺤﺎدﺛﺔ ﻣﻌﺰوﻟﺔ أو ﻛﺄزﻣﺔ داﺧﻠﯿﺔ ﻋﺎﺑﺮة. فما تكشفه اﻟﻮﻗﺎﺋﻊ واﻟﻤﺴﺘﻨﺪات ھﻮ ﻣﺴﺎر أﺷﺪ ﺧﻄﻮرة: اﺳﺘﻘﺎﻻت أُﺧﺮﺟﺖ ﻣﻦ ﻗﻨﺎﺗﮭﺎ اﻟﻨﻈﺎﻣﯿﺔ، ﺧﺘﻢ اﺳﺘُﻌﻤﻞ ﻓﻲ ظﺮوف ﻣﻄﻌﻮن ﺑﮭﺎ، إﻓﺎدة ﻣﻠﺘﺒﺴﺔ أُﻋﻄﯿﺖ وزﻧﺎً ﯾﺘﺠﺎوز ﻗﯿﻤﺘﮭﺎ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﯿﺔ، وﻗﺮار وزاري غير قانوني ﺻﺎدر ﻋﻦ وزﯾﺮة اﻟﺸﺒﺎب واﻟﺮﯾﺎﺿﺔ ﻧﻮرا ﺑﺎﯾﺮﻗﺪارﯾﺎن كان ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻹﻟﺒﺎس ھﺬا اﻟﻤﺴﺎر اﻟﻤﺸﻮب ﺛﻮب اﻟﺸﺮﻋﯿﺔ اﻟﺮﺳﻤﯿﺔ.
ﻗﺒﻞ ﻛﻞّ ﺷﻲء دﻋﻮﻧﺎ ﻧﻨﻄﻠﻖ ﻣﻦ ان ﻗﺮار اﻟﻮزارة إﻧﮭﺎ ﻟﯿﺴﺖ ھﻔﻮة إدارﯾﺔ وﻻ ﺧﻄﺄً ﺑﺴﯿﻄﺎً ﻓﻲ ﻗﺮاءة ﻣﻠﻒ ﻧﺎدٍ ﻣﺤﻠﻲ. ﻧﺤﻦ أﻣﺎم ﻗﺮار وزاري ﻣﻌﯿﺐ ﻓﻲ سببه ومنهجه وﻧﺘﯿﺠﺘﮫ، ﻗﺮار ﺗﺠﺎھﻞ أن أﺻﻞ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﻟﯿﺲ ﺧﻼﻓﺎً طﺒﯿﻌﯿﺎً ﺑﯿﻦ أﻋﻀﺎء، ﺑﻞ ﺗﺪﺧﻼً ﻣﻨﻈﻤﺎً ﻣﻦ ﻓﺮﯾﻖ ﺳﯿﺎﺳﻲ ﻣﮭﺰوم ﯾﺤﺎول، ﺑﻌﺪﻣﺎ ﻋﺠﺰ ﻋﻦ ﻛﺴﺐ ﺛﻘﺔ اﻟﻨﺎس ﻓﻲ ﺻﻨﺎدﯾﻖ اﻻﻗﺘﺮاع، أن ﯾﻌﻮّض خسارته ﻋﺒﺮ ﺿﺮب اﻟﻤﺆﺳﺴﺎت اﻷھﻠﯿﺔ واﻟﺮﯾﺎﺿﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺒﻠﺪة. واﻟﺨﻄﻮرة أن اﻟﻮزارة ﻟﻢ ﺗﻮﻗﻒ ھﺬا اﻟﻤﺴﺎر ﻋﻨﺪ ﺣﺪّه، وﻟﻢ ﺗﺴﺄل ﻋﻤّﻦ حرّكه، ولا ﻋﻤّﻦ اﺳﺘﻔﺎد منه، ﺑﻞ ﺗﻌﺎﻣﻠﺖ ﻣﻌﮫ ﻛﺄﻧﮫ ﻣﺴﺎر إداري ﺳﻠﯿﻢ، وﻣﻨﺤﺘﮫ ﻏﻄﺎءً رﺳﻤﯿﺎً ﻻ يستحقّه.
فريق يطعن في الوقائع ثم يحتفل بها
المفارقة الفاضحة أن الفريق نفسه الذي عجز عن نيل ثقة الناس بات يحتفل بـ«فوز» قام على مسار تحيط به الاعتراضات. خسر حين كانت الكلمة للناخبين، وربح فقط عندما أصبحت الكلمة للإفادات المشبوهة والأختام المزوّرة.
لكن ليس كل ما يُعلن فوزاً يكون فوزاً. أحياناً يكون مجرد هزيمة أعيد تغليفها بختم رسمي. وأحياناً لا يكون الاحتفال دليلاً على قوة المنتصر، بل محاولة صاخبة لإخفاء هشاشته.
الوزارة تختم العبث
كان يفترض بوزارة الشباب والرياضة أن تكون الجهة التي توقف هذا المسار عند أول شبهة. كان عليها أن تحقق في طريق الاستقالات قبل احتسابها، وأن تفحص كتاب التريّث قبل نزع أثره، وأن تحسم الاعتراض على الختم قبل اعتماد أي ورقة تحمله، وأن تحدد صفة صاحب الإفادة قبل منح كلامه وزناً لا يستحقه.
لكن قرار الوزيرة نورا بيرقداريان فعل العكس. لم يبدُ القرار كحصيلة تحقيق محايد، بل كعملية انتقاء للأوراق بما يخدم نتيجة محددة: ما يدعم الخلاصة رُفع إلى الواجهة، وما يهدمها دُفع إلى الهامش.
القرار الوزاري مثقوب من أساسه:
هو مشوب بعيب السبب، لأن الوقائع التي قام عليها لم تُحسم سلامتها.
ومشوب بعيب الإجراءات، لأن مسار الاستقالات والمستندات موضع طعن.
ومشوب بخطأ فادح في تقدير الوقائع، لأنه رفع الإفادة الملتبسة فوق المحضر النظامي وكتاب صادر عن صاحب الصفة.
ويثير شبهة الانحراف في استعمال السلطة، لأن النتيجة خدمت فريقاً سياسياً محدداً، بدلاً من أن تحمي سلامة المؤسسة وحياد الإدارة.
ولا يستطيع توقيع الوزيرة أن يعالج هذه العيوب. فالختم الرسمي لا يطهّر المستند المطعون فيه، والقرار الإداري لا يحول الشبهة إلى حقيقة، والسلطة لا تصنع المشروعية حين تكون الأصول نفسها منتهكة.
وصفة جاهزة للانقلاب على المؤسسات
إذا مرّ ما جرى في نادي بجّه من دون طعن وتحقيق، تصبح الوصفة جاهزة لتخريب أي نادٍ أو جمعية: يُجمع عدد من الاستقالات بعيداً عن قنواتها الطبيعية، يُتجاوز الرئيس وأمين السر، يُستعمل الختم في ظروف موضع اعتراض، تُستحضر إفادة من خارج المرجع المختص، ثم يُطلب من الوزارة أن تتولى تحويل الفوضى إلى أمر واقع.
عندها لا تعود المؤسسات ملكاً لأعضائها، بل تصبح رهينة لمن يتقن التلاعب بمساراتها. ولا يعود النظام الداخلي هو المرجع، بل الورقة التي تصل أولاً إلى مكتب الوزير. ولا تكون الشرعية لمن يملك الحق، بل لمن يملك القدرة على ترتيب ملف يخفي به هشاشة حقه.
وهذا تحديداً ما يجعل القضية أكبر من نادٍ وأوسع من خلاف محلي. إنها مواجهة بين منطق المؤسسة ومنطق الغنيمة، وبين إرادة الناس وعقلية الفريق الذي لا يحتمل الخسارة، وبين القانون ومن يحاول استخدام شكله لاغتيال مضمونه.
من خرّب النادي لا يحق له ادعاء إنقاذه
من دفع النادي إلى هذا الانقسام لا يستطيع أن يقدم نفسه منقذاً. ومن حوّل مؤسسة رياضية وثقافية إلى ساحة ثأر سياسي لا يحق له أن يتحدث عن الشباب أو التجديد. ومن دخل من نوافذ الأوراق الملتبسة بعدما رفضه الباب الشرعي لا يصبح صاحب حق لمجرد أنه أقام احتفالاً ورفع لافتة انتصار.
لا أحد ينقذ مؤسسة بتخريب أصولها. ولا أحد يجدد نادياً بإسقاط إرادته. ولا أحد يصنع شرعية من ختم مطعون فيه وإفادة ملتبسة وقرار وزاري معيب.
يفشلون… فيخرّبون
المهمّ، ظهر هذا الفريق على حقيقته: فريق لا يعرف كيف يربح، بل كيف يعبث بما عجز عن امتلاكه؛ لا يدخل مؤسسة ليبنيها، بل ليضع يده عليها، فإذا استعصت عليه خنقها، وإذا خرّبها وقف فوق أنقاضها مدّعياً أنه أنقذها.
هؤلاء لم ينتصروا، بل أزاحوا الأصول من طريقهم، وفصّلوا المشهد على قياسهم، ثم ترشّحوا وانتخبوا أنفسهم وصدّقوا أن التصفيق المتبادل يصنع شرعية.
إنه فريق لا يملك مشروعاً سوى تحويل فشله إلى أزمة، وعجزه إلى انتقام، وهزيمته إلى حملة تخريب. وحين تفضحه الوقائع، يبدأ التزييف: تزييف الحقيقة، وتزييف الإرادة، ثم تزييف صورة الهزيمة وبيعها على أنها نصر.
لكنّ الضجيج لا يصنع شرعية، ومن ينتخب نفسه لا يصبح ممثلاً لأحد. والخلاصة الأقسى: لم يفز هذا الفريق بالنادي، بل خسر النادي يوم وصل هذا الفريق إليه.
ولو وُجد من جرّ قرار الوزيرة المعيب إلى القضاء، لتلقّى هذا الفريق هزيمةً جديدة تُضاف إلى ركام هزائمه القضائية؛ فهو فريق لا ينتصر إلا في غياب الطعن، ولا يصمد..متى حضر القانون.






