بدأت القضية بخلاف عائلي على عقار، وانتهت برجل ممدّد أرضاً، وعصا خشبية محطّمة إلى 4 قطع، ورسالة هاتفية كُتبت قبل نحو شهرين من الحادثة، تتحدث عن دفع المال لإحراق منزل الضحية و”توسيعه ضرباً”.
في بلدة الصوانة بقضاء جبيل، لم يكن حسن خليل شقير، البالغ 63 عاماً، غريباً عن المتهمين في قضية مقتله. فهو خال هاني شقير وجار العائلة، ويقع منزله قبالة عقار ورثه شادي، نجل هاني، وتحول طوال نحو 5 سنوات إلى محور خلافات وشكاوى ودعاوى قضائية بين الطرفين.
لكن مساء 18 أيلول 2026، خرج النزاع من أروقة القضاء إلى مواجهة انتهت بوفاة حسن في اليوم نفسه. وعلى إثر التحقيقات، ادعى المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي بلال عدنان بدر على هاني شقير وأبنائه شادي وفوزي ومهدي، بجرم قتل حسن شقير عمداً وعن سابق تخطيط، سنداً إلى المادة 549 من قانون العقوبات، وأحالهم موقوفين إلى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر.
التحقيقات التي تابعها القاضي بدر منذ اللحظة الأولى، انتقلت سريعاً من مسرح الإشكال إلى الهواتف وكاميرات المراقبة والمحادثات الخاصة. وكان أخطر ما ظهر فيها رسالة أرسلها شادي إلى شقيقه فوزي في 17 تموز، أي قبل الحادثة بنحو شهرين، قال فيها إنه مستعد لدفع المال لأشخاص كي يحرقوا منزل حسن ويعتدوا عليه بالضرب.
وأقر شادي بكتابة الرسالة، لكنه قال إنها صدرت عنه في لحظة غضب، بعدما علم بأن حسن تقدم ضده بعدة شكاوى مرتبطة بالعقار، مؤكداً أنه لم يكن ينوي تنفيذها وأن شيئاً مما ورد فيها لم يحصل آنذاك. غير أن الرسالة تحولت، بعد وفاة حسن، إلى عنصر شديد الحساسية داخل الملف، ولا سيما في ضوء اتهام النيابة العامة أفراد العائلة بالتخطيط وتقاسم الأدوار.
أما في يوم الحادثة، فتشير التحقيقات إلى أن الخلاف تجدد بعدما ركن حسن سيارته في المكان المخصص لإفراغ البحص والرمل داخل العقار. وبعد ساعات، سُمع صراخه، فعثر عليه ابن شقيقه ياسر شقير ملقى على ظهره، فيما كانت عصا خشبية مكسورة إلى 4 أجزاء في المكان.
وأفاد ياسر بأن عمه قال له بعد الاعتداء إن هاني وشادي ومهدي هم من ضربوه. إلا أنه أوضح، في الوقت نفسه، أنه لم يشاهد الإشكال بعينيه، إذ كان داخل منزله ولم يصل إلا بعد سماع الصراخ، ما يجعل إفادته نقلاً مباشراً عن الضحية لا معاينة شخصية للواقعة.
في المقابل، قدّم الموقوفون رواية مختلفة. وقال مهدي، وهو أصغر الأبناء، إنه توجه بمفرده إلى منزل حسن لمطالبته بإبعاد السيارة، وإن الأخير هاجمه بالعصا فانكسرت خلال المواجهة، قبل أن ينتزعها منه ويوجه إليه ضربة على الرأس.
وتمسك الأب وأبناؤه بأن هاني وشادي وفوزي لم يشاركوا في الاعتداء، وأن الإشكال لم يستغرق سوى ثوانٍ ووقع بين حسن ومهدي وحدهما. وتقاطعت هذه الرواية جزئياً مع إفادة شاهدة قالت إن هاني وشادي لم يكونا موجودين أثناء الإشكال، وإن حسن هو من هاجم مهدي بالعصا.
كما أظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة وجود فوزي في منطقة جبيل برفقة شخصين عند وقوع الحادثة، إلا أن محادثاته الهاتفية أعادت اسمه بقوة إلى دائرة التحقيق. ففي رسالة إلى خطيبته بعد الحادثة، كتب: “ليش إنت شو خصك، مهدي وشادي بيكلوها، والله العظيم مصيبة”، قبل أن يقر أمام المحققين بأنه كان يعلم أن مهدي هو من ضرب حسن.
كذلك ضُبط تسجيل صوتي تناول صدور تقرير الطبيب الشرعي ووفاة حسن بأزمة قلبية، وتضمن حديثاً عن أن مهدي هو من وجه إليه الضربة.
أما شادي، فأوقفه الأمن العام في مطار رفيق الحريري الدولي أثناء مغادرته إلى الرياض عبر إسطنبول، بعدما كان بلاغ بحث وتحر قد صدر بحقه. وضُبطت في حوزته 3 هواتف خليوية ومبلغ 3300 دولار. ولاحقاً، سلّم هاني وفوزي نفسيهما، ثم لحق بهما مهدي، لتصبح العائلة كلها أمام المحققين.
طبياً، أظهر تقرير الطبيب الشرعي وجود كدمات وجروح وسحجات وكسور في أضلاع القفص الصدري الأيسر، ناجمة عن مصادمة قوية بجسم صلب. كما بيّن ارتفاع مادة التروبونين في الدم، بما يؤكد إصابة حسن بذبحة قلبية قبل وفاته.
وهنا تقع إحدى أكثر نقاط الملف تعقيداً: هل أدى العنف الذي تعرض له حسن إلى وفاته؟ أم كانت الذبحة القلبية العامل الحاسم؟ وهل كان ما حصل إشكالاً فردياً مفاجئاً، كما يقول الموقوفون، أم نهاية لمسار بدأ بالخلافات والشكاوى وظهرت إحدى حلقاته في الرسالة الهاتفية؟
أسئلة باتت في عهدة قاضي التحقيق، بعدما قرر القاضي بدر توقيف الأب وأبنائه الثلاثة، وضبط هواتفهم وإرسالها إلى الفرع الفني في شعبة المعلومات لتفريغ محتوياتها.
وبين رسالة “بعطيهم مصاري”، والعصا المكسورة، والكلمات التي نُقلت عن الضحية بعد الاعتداء، والكاميرات والمحادثات الهاتفية، تبدو قضية مقتل الصوانة أمام ملف بوليسي معقد لم تُكتب فصوله الأخيرة بعد، فيما تبقى قرينة البراءة قائمة إلى حين صدور حكم قضائي نهائي.






