يعيش العالم في زمن الإنترنت ومواقع التّواصل الاجتماعيّ التي أخذت حيّزاً كبيراً من وقت كلّ فردٍ، لكن، لا تزال القراءة حاضرة في حياة شريحةٍ واسعة من اللّبنانيّين، الذين يجدون في الكتاب مساحةً للمعرفة والثّقافة.
الكتب الأكثر مبيعاً
يُؤكّد المدير العام لـ “دار النهار” القاضي زياد شبيب في حديث لموقع MTV، أنّ “السّوق اللّبنانيّة متنوعة بتنوع قرائها واهتماماتهم. للروايات والقصص جمهورها، وللكتب الدينية قرّاؤها، كما تحظى الكتب التّاريخيّة والسياسيّة والسِّيَر والمذكّرات باهتمام واضح، خصوصاً حين تقدّم معرفة جديدة أو شهادة تضيء أحداثاً عاشها اللّبنانيّون وما زالوا يبحثون عن تفسيرها. لكن لا توجد إحصاءات شاملة تتيح ترتيب هذه الأنواع بصورة حاسمة، وقد يتقدّم كتاب بعينه بفضل قيمته وموضوعه وقدرته على الوصول إلى القرّاء”.
أمّا الإعلامي والنّاشر والكاتب أنطوان سعد، فيُشير لموقع MTV، إلى أنّ “أنواع الكتب الأكثر مبيعاً، تختلف وفق الأوساط، وإلى جانب الكتاب الدّينيّ الإسلاميّ بالتّحديد الذي يتقدّم على سواه في البيئات المحافظة، تتصدّر المذكّرات المبيعات في لبنان”.
هل تراجعت إصدارات الكتب؟
لا شكّ في أنّ الأزمات التي مرّ بها لبنان أثقلت صناعة الكتاب، من كلفة الورق والطّباعة والتّوزيع إلى القدرة الشرائيّة للقارئ. لكن يجب التّمييز بين عدد الإصدارات وعدد النّسخ المطبوعة وحجم المبيعات؛ فقد تنخفض كمّيّات الطّباعة من دون أن يتوقّف صدور العناوين الجديدة، هذا ما يُوضحه شبيب، مُضيفاً: “ما يدعونا إلى التّفاؤل هو استمرار التأليف والنشر وحرص المؤسسات الثقافية على استعادة نشاطها”.
من جهته، يقول سعد: “قد لا يكون هناك تراجع في عدد الإصدارات، بقدر ما هناك تراجع في مبيعات النّسخ”، لافتاً إلى “تراجع دراماتيكيّ في إصدارات الكتب بالفعل، خصوصًا في مبيعات المكتبات ومعارض الكتب”.
مَن يقرأ في لبنان؟
يلفت شبيب إلى أنّ “معرض الكتاب يجمع أجيالاً وفئات مختلفة: القرّاء الذين تربطهم بالكتاب علاقة طويلة، والشّباب وطلاب الجامعات، والتلامذة والأطفال والعائلات”، وهذا ما يُؤكّده أيضاً سعد.
ويُضيف شبيب: “تتيح الزيارات المدرسيّة والجامعيّة والأنشطة المخصّصة للأطفال توسيع هذا اللّقاء بين الأجيال”، ويُتابع: “نحن نولي حضور الأجيال الجديدة اهتماماً خاصّاً. لا يجوز افتراض أنّ الشباب ابتعدوا عن الكتاب لمجرّد أنّهم يستخدمون الوسائط الرقميّة؛ المطلوب تقديم كتب تخاطب أسئلتهم وتحترم ذكاءهم، وتوفير فرص اللقاء بالكتّاب ومناقشة أعمالهم. قيمة المعرض تتجاوز البيع إلى بناء علاقة بالقراءة، قد تبدأ بزيارة مدرسية أو باختيار كتاب أول، ثم تستمر طوال الحياة”.
الورقيّ أو الإلكترونيّ؟
يُؤكّد شبيب أن “لا إحصاءات دقيقة وشاملة عن لبنان والدّول العربيّة تسمح بتحديد نسب القرّاء وفق الوسيط”، ويقول: “يمكن الاستئناس بالمؤشّرات العالميّة، مع التّمييز بين حصّة السّوق ونسبة الأشخاص الذين يقرأون؛ فالشّخص نفسه قد يقرأ كتاباً ورقيّاً وآخر إلكترونيّاً ويستمع إلى ثالث”، مشيراً إلى أنّه “عالميّاً، ما زال الورقيّ يستحوذ على القسم الأكبر من سوق الكتب، فيما تدور حصّة الإلكترونيّ حول خُمس السّوق في بعض التقديرات، مع اختلاف النّسب وفق البلدان والفئات المشمولة بالإحصاء. ولا يصحّ احتساب الباقي كلّه للورقي، لأنّ الكتاب المسموع أصبح بدوره جزءاً من السّوق”.
ويُتابع: “نشدّد دائماً على أن الكتاب الإلكتروني لم يستبدل الكتاب الورقي، لأنه لا يوفر التجربة نفسها: علاقة القارئ بالصفحة، وإيقاع القراءة، وسهولة العودة إلى المقاطع، والابتعاد عن مشتّتات الشّاشة. وتدعم أبحاث مقارنة أفضلية الورق في استيعاب النصوص، خصوصاً النصوص المعرفية وتحت ضغط الوقت، وإن كانت هذه الأفضلية تختلف باختلاف ظروف القراءة. وقد أعادت السويد، وهي من الدّول المتقدّمة تكنولوجياً، الاعتبار للكتب المدرسيّة الورقيّة وقلّصت الاعتماد على الشّاشات، ولا سيّما في الأعمار الصغيرة”.
ويُشير شبيب، إلى أنّه “في المقابل، يلفتنا تنامي الإقبال على الكتاب المسموع، بما يتيحه من وصول إلى جمهور أوسع والاستفادة من أوقات التّنقل، فضلاً عن خدمة من تصعب عليهم القراءة البصريّة”.
من جهته، يُؤكّد سعد أنّ “نسبة قرّاء الإصدارات الرّقميّة تبلغ حوالي 15 في المئة، وهي لا تزال أقلّ بكثير من نسبة قرّاء الإصدارات الورقيّة”.
يبدو أنّ الكتاب لم يفقد مكانه تماماً. فاللّبنانيّون لا يزالون يقرأون، حتّى لو تبدّلت اهتماماتهم وطرق وصولهم إليه. ولا تنسوا أنّ تخصيص وقت للقراءة هو الأهمّ، ولن يكون أبداً مضيعة للوقت.






