20.6 C
Byblos
Monday, December 6, 2021
جبيلياتقزحيا بطرس عرب صفحة تاريخ من العاقورة

قزحيا بطرس عرب صفحة تاريخ من العاقورة

بقلم الاستاذ غانم عاصي

وسط قساوة هذا الزمن الرديء، والذي بكل موبقات الدنيامصاب، وبما اجتمع من مرارات الدهر”مليء”، وان كانت المناسبة مناسبة عزاء، فها إن يراعي يتنفّس الصعداء،كما إن كلماتي هي التي ما إعتنقت يوما منطق النفاق، بل كانت دائما في سبيل إحقاق حق ومدعاة وفاق، وكيف إذا كانت الآلام آلام فراق!

ويروح يراعي بمداد ممزوج بالدموع، وفي حضرة الرب يسوع، يخشع أمام صلواتنا والدموع.

فشكرا وألف شكر لك يا مخيلتي، وأنت تبحرين على متن أفكاري، وتجيبين دائما على أسئلتي وتشفين هواجسي ومن دون أن تتحيّري أو تحتاري. وتحلّق المعاني في كلامها عندما تتناول هذا الوجه الأصيل،” قزحيا بطرس عرب،” والذي يمتً إلي بكونه والد صهري، وهو الوقور والجليل، وبالغوص في حكاية عمره يدغدغني الحنين إلى الزمن الجميل. وبوداع الراحل العزيز إنما نودّع زمنا في رجل، وخابية معتّقة من خوابي الخير والبركة، وموسما مباركا من مواسم العزً والعطاء، ورمزا سخيّا من رموز الهمّة والحركة. وتعتريني مشاعر المجد والعزّة، كلما تأملًت في مسيرة حياة، أولئك الذين عاشوا الطيبة والبساطة، وعلى غرار “الرسل” فقد شهدوا للإيمان ونشروا المُثل،وحسبهم مفخرة، أنهم حازوا على الشهادة الحياتية وإن لم ينالوا الشهادات الآكاديمية.إنهم “أبناء تلك الجبال الشُمّ أوكار النسور” هم الذي فتتوا الصخر وشقعوا الحفافي، هم الذين تكلٍلوا بالفخر وطيّبوا “العوافي”، وهم الذين عشقوا التلاقي ومقتوا التجافي، فرصفوا “الجلالي” وقلّموا الدوالي، ولبلوغ أحلامهم ولتحقيق آمالهم فقد سهروا الليالي. كما أنهم وسط العيش في أرض طبيعتها وعرة، وظروفها المناخية صعبة، إنما عانوا المتاعب، ولكنهم عرفوا كيف يتمّ تجاوز اىمصاعب وأين تستثمر المواهب. إنهم قبضايات ذلك الزمن وكل الأزمنة، لا بل هم رجال المواقف والثبات على المبادئ، إنهم معشر أهل العطاء من دون منّة وأصحاب البذل من دون حساب، والعم قزحيا وهو ابن ذلك الجيل الطيب جيل أبائنا وأجدادنا، فلقد جمع في شخصه الضيعوي والمتواضع كل تلك الصفات والمز ايا، وكان واحدا من أولئك الفلاحين المكفيين والسلاطين المخفيين، الذين “هوشلوا” في ذلك الجرد وعانقوا الحرّ والبرد، ورافقوا قبضايات تلك الجبال وكما كان يروي على مسامعنا من أمثال “شحاده بو غبرة… ” فجابوا البعد والمسافات، وساروا وسع المشاعات، وسامروا الرعيان وسكنوا الوجدان، وواجهوا اللصوص والغلمان ووقفوا في وجه الطغيان وقُطّاع الطرق، وحصًّلوا لقمة عيشهم بأنبل السبل وأشرف الطرق، وجنوا عسل حياتهم من قفران أيامهم، وملؤوا سلالهم من خيرات غلالهم، وجمعوا أموالهم من رزقهم ومن ماشيتهم وحلالهم، وهم في كل ذلك قد قصدوا ذلك السهل الواسع، متنّقلين سيرا على الأقدام بين العاقورة واليمونه ومدينة الشمس والهرمل ود يرالآحمر…. وكانت البنادق، بنادق الحق رفيقتهم الدائمة، وما كانت تستخدم الا في مكانها الصحيح ، كما كان الإيمان سلاحهم، فتدثّروا أوصاف الرجولة وإعتمروا خوذ البطولة.

ونتابع مسيرةالعم قزحيا، الذي ولد وحيدا في عائلة عاقورية فلّاحية متواضعة، ولكنه عاش أخا للجميع، ونشأ وترعرع في تلك الربوع الذي يتمازج فيها بياض الثلج بضحكة التفاح.. ثم إقترن بزوجة فاضلة سبقته إلى “دنيا الحق” قبل ما يزيد على العشرين عاما وهي المرحومة “بطرسيه الياس” ، وأسسّامعا عائلة مميزة من،”جنود وعًمّال وفلاحين” ، ومن أحفاد حاضرين ومثقّفين، نعم من ستة شباب “بينشاف الحال فيهم” كما كان يردد”بطرس وبولس وجرجي وعيد وشربل ورزقالله” ، وجميعهم فرح بهم على أيامه يؤسسون العائلات مع زوجات صالحات، ولقد أورثهم محبته لتلك الحدائق والحقول ولتلك الجنائن والجبال، أي لتلك الآرض التي ورثها وابتاعها في” العاقورة”آو التي ابتاعها وشيٌد فيها بناية في حبوب، كما آورثهم الآدمية “والتغني بالعصامية والتعامل بشفافية، على أن يعرفوا كيف يحافظون على كده وجده، وكيف يصونون عهوده وجهوده، بغيابه كما كانوا بوجوده. وما الدموع التي انسابت على وجنات الآولاد والآحفاد سوى دليل الوفاء والثقدير والحزن على الرحيل رغم عمر يتجلبب بمديد السنين.

وعشق” أبو بطرس،” العاقورة بما ومن فيها، بكل زاوية وتلة ومنبسط فيها، وبتربتها وحجارتها وبنسائمها وشجراتها وانعكس أحمرار تفاحها على إحمرار لون خدوده،كما اعتنى بتلك البساتين على مثال آهله وجدوده. وكلما أطل عيد مار جرجس في تشرين، كلما قصد الساحل”رغما عنه” ويروح ينتظر الشهور والأيام، كي تبلغ عيد مار جرجس نيسان فيرجع إلى حبّه والى حدائقه بلهفة العاشق المشتاق آو المسجون التائق الى الحرية. ولكن بعد اليوم لا فراق لتلك الأرض ولا إشتياق إليها، فها هو وكما حلم يمتزج بتربتها ويرقد في ذلك المنحنى وسط التلال، وسيبقى متعمشقا في البال وتظلله الكنائس والمزارات من كلّ الجهات، مار جرجس يحرسه بسيفه وسيدة الحبس تحتضنه في كنفها ومار بطرس يشرّع له أبواب السماء،… هو الذي ما شاكس ولا عاكس يوما بل شارك في كل مشاريع عمران وتقدم وازدهار ضيعته.

وها نحن نرافقه في مشواره الآخير، في يوم تشريني صاف كصفاء روحه، ودافئ كدفء قلبه ومشرق كإشراقة مًحيّاه،، وعلى غير عادة الطقس في مثل هذه الفترة من السنة، حلّ مميزا، وربما إكراما لمسيرته الصافية والتقية، ونحن على أبواب كانون وهو يغادرنا وقد”صاروا الأيام عا حدود تشرين” ولكم ارتحنا في مرافقتنا له في هذا المشوار من مدينة الحرف إلى منبت البطولة ومقلع الرجولة، متجاوزين عوائق ومصاعب ونكبات هذا الزمن.

عمي قزحيا :

لقد كانت لنا معك، مجالس أنس ظريفة ومحاضر نصح لطيفة أولست أنت من قلت :إياك أن تصافح البخيل فقد يسىلبك يدك ويطمع في سلامك…”

بوداعك اليوم، إنما نودع تلك الأرص المباركة كنزا غاليا ورمزا عاليا. كما سنفتقد تلك” الأهلا”المميزة وتلك الإطلالة البريئة، سنفتقد من تفوح مسيرته بألوان السماء وتعبق حياته بأريج العلاء.

لأهلك ولمحبيك العزاء ولك الملكوت والسماء.

- إعلان -
- إعلان -

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- إعلانات -
- إعلانات -

الأكثر قراءة

- إعلانات -
- إعلانات -
- إعلان -
- إعلان -
x
error: Content is protected !!