إنفجار هو! لا بل هو زلزال صعق العالم وقضّ مضاجع الزمان،، فأغرق اللبنانيين في لجّة من الأحزان، وأيقظ التاريخ على قنبلتي” ناكازاكي وهيرشيما”يوم حطّمت الآمال واستحالت الأرض هشيما.
تفجير هائل! تقمّص شخصية “تشيرنوبيل” وحمل إلينا النكبات والويل.
حدث مروّع، خطّ بالدموع على الوجنات، سطورا من الأوجاع، وحفر بنتائجه الدامية حفرة عميقة في حنايا الوجدان.
…وكان ذلك الثلاثاء المشؤوم،في الرابع من شهر آب في السنة العشرين بعد الألفين، وعند الساعة السادسة وسبع دقائق، وما إن لبس الضوء ثوب الغروب، حتى إرتجفت القلوب، وافترشت المصائب الدروب، وانطلقت الشرارة من العنبر الثاني عشر في مرفأ بيروت، والتهبت الأجواء في آب اللهّاب، واقتحمت سموم”أمونية، ” أمواج البحر ورحابة اليابسة في العاصمة، ودوّى صوت حمولة الموت الى ما بعد بعد بيروت، وراح الدخان الأحمر يلوّث الأجواء، ؤيصبغ لون الزمان بلون الدماء المضرّج في كل مكان، وولجت عتمة الديجور عتق حجارات القصور التي تروي حكايات العصور، واختبأ القمر في غياهب الكسوف، وهبّطت على هامات الأهالي السقوف. واتّسع الحزن على إمتداد الوطن في لوحة قاتمة لم نشهدها حتى في عزّ المحن، وزنّر الحداد، أنحاء البلاد واتشحّت الأرض والفضاء بالسواد، وتطايرت أشلاء الأجساد مع الشظايا، وازدادت أعداد الجرحى والمنكوبين والمفقودين والضحايا.
وتعطّلت لغة الكلام!! واعتكفت عن التعبير الأفكار، حيث حملت عنابر الإحتكار إلى ناسنا التشريد والدمار، بدلا من النمو والإزدهار، وكم كان كبيرا وقاسيا ذلك الإنهيار.!!!
وسهرت الأمّهات الثكالى على شاطئ القدر، وهنّ ينتظرن عودة الفلذات من مجاهل الهوّات ، على همس حبّات السبحات، وتمتمة الصلوات، وتكبر الأمنيات، ويتعب الليل من إنتظار بزوغ الفجر ولما بزغ، فعلى أبواب عتمة المقابر.
وطلع الضوء والركام غطّى الساحات، والحزن ملأ المساحات، فانحنت ألما الأعناق، واختربت الأرزاق، وكم سفكت الدماء وذرفت الدموع وأضيئت الشموع، وانقطع الهواء واهتزّت الأرض وانتحبت السماء. ونتابع المشهد القاتم حيث تخلّعت الأبواب وبكت الأعتاب على الأصحاب، وتحطّمت النوافذ وسدّت المنافذ، وتكسر أينما وجد زجاج ليعبّر عن سياسة اتبعها أهل الإعوجاج. وماذا بعد؟ ، تهدّمت المداميك وتدحرجت الحجارة وشوّه فن العمارة وأزيلت أروع معالم الحضارة،وكل ذلك بسبب الرشوة والسرقة والجشع التي أحدثت ذلك الإنفجار البشع.الذي ما تردد أوخجل من أن يطال ست الدنيا وأم الشرائع مخلّفا وراءه أفظع الشنائع.
وكأنّه ما عاد يكفينا كلّ البلاء وغول الغلاء وهمّ الوباء، حتى كانت نتائج الإنفجار الجارحة لتنسينا معاناة”الكورونا” الجائحة.
وأمام كلّ ذلك انتابتني حالة من التردّد، في أن أطلق العنان لأحاسيسي الحزينة، أو أن أمسح دموعي المنهمرة بمناديل الإيمان، أو أن أغمس ريشتي في حقّ العذابات. الى ان تأجّجت من جديد الثورة الشعبية الصادقة والجامحة والمتوجّعة،فعمدت إلى أن أسكب المعاني في طبق من الآلام، ورحت أملأ الأسطر من عظمة التضحيات، و على بقايا أشلاء متناثرة في أرض مدمّرة. واستقصيت عن الفاجعة وضخامتها في وسائل الإعلام، فوجدت الذين ما برحوا يمارسون طقوس عبادة الحكّام تماما كما عبدة الأصنام. فيقدم لهم اأولئك الحكام أضغاث الاحلام وفتات الأوهام، وغالبية أولئك بنوا زعاماتهم على الوعود الكاذبة والدماء النازفة والضحايا المكّدسة والكراسي اللاصقة والجيوب الوارمة… وأشبعوا حاجاتهم من عوز الناس وحافظوا على مناصبهم بإيقاظ ما يخدم بقاءهم من الماضي الأليم وباستخدام لغة الحقد والكراهية وباعتماد أسلوب التحريض ولو اضطرهم ذلك الى المتاجرة بدماء الشهداء. أما بعض الزعماء الآخرين فيرفعون أنفسهم إلى مصاف القديسين وتصل بهم الوقاحة الى حد المطالبة بتعليق المشانق لشركائهم في الحكم وقد يستحقّونها أكثر منهم، ويحاول بعضهم الآخر طلاء تاريخه الدموي ببساطة أو “بخطشة قلم” بينما لا يستطيع ذلك الا الخالق الرحمن وعبر سر الغفران.
ويتابع الشعب المعمي مبايعة حكّامه والدفاع عنهم وعدم القبول باستقالاتهم، بينما يعمل الشعب الواعي على المطالبة بإقالة الفاسدين منهم ومحاكمتهم وتغييرهم، ونفاخر بأن نلتحق بهم وخاصة أولئك الشباب والصبايا الذين تدثّروا بوشاح التطوّع والتبرّع ،فملأوا الساحات نشاطا وعطاء، وحملوا المكانس بدل البنادق، وراحوا ينظفّون الشوارع والأحياء والبيوت، ويجمعون الردم ويزيلون الحطام، ويغسلون بأيديهم النظيفة دنس الحاقدين، وينادون بالميثاق الوطني ولا للشرق ولا للغرب بل للإنفتاح، ويؤيدون غبطة البطريرك الراعي:” نعم للحياد الفاعل” ، ويشرعون الأبواب والقلوب لإستقبال زعماء العالم، الذين هبّوا للمساعدة ولإنتشالنا من هذه الكارثة، وفي طليعتهم رئيس ‘الأم الحنون “ماكرون الذي نزل بين المنكوبين والمتضرّرين، فلامس همومهم وشعر بأوجاعهم وأصغى إلى مطالبهم وأدمع لمآسيهم. وكيف لا تخرق الصفوف تلك التي أحسّت مع الجميع وخرقت القلوب أيضا وسكنت ماجدة الرومي في الأعماق مرددة من شعر نزار قباني” يا ست الدنيا يا بيروت…. قومي من تحت الردم… إن الثورة تولد من رحم الأحزان.”
وكان لنا في بلاد جبيل نصيبا من المأساة وقسطا من التضحيات وعبقا من البطولات، من قرطبا الى عمشيت الى جاج فبجّه… وإلى مشمش الحبيبة والدماء تشهد والتاريخ يحكي واسمحوا لي أن أعطّر شذى كلماتي من حياة قصيرة لشخصية كبيرة ومسيرة قديرة، وأنا أكنّ الوفاء لأهل مشمش الأحبٍاء ولأصدقائي منهم وفي طليعتهم خال البطل الصديق الخوري جورج صوما، وهكذا سأنثر مشاعر التقدير وأقدّم عاطفة الموّدة وأذرف دموع الصدق، لذلك “المشمشاني” البطل أبن أرض القداسة جار شربل واسطفان،إنه دجو نون الذي سقط في ريعانه، وهو الحامل تراث الجدود وبطولاتهم والمعتمر تاج أمجادهم..
إنه ذلك المؤمن الملتزم بإيمان الجدود والناشط في الكنيسة. وقد عشقنا مسيرته التي تشبه مسيرتنا في فرسان العذراء وفي الطلائع وفي الشبيبة وفي تجنّده لأم رب الأكوان تماما كما في تطوعه لخدمة الإنسان. وقد كان قيدوما بين أبناء جيله ورائدا بين أترابه وحاملا صليب الفداء، الى ان أضحى هو الفداء، ذلك المتطوع المقدام والمندفع الذي حتى الرمق الأخير ظل يقتحم المخاطر ليطفئ الحرائق، الى أن أرداه الإنفجار، ففجّر الأحزان في النفوس، و الذي كان يطفئ الحرائق لم يستطع أن يطفئ حرقة رحيله من قلوب أهله وأحبّائه.
وهل أكمل السلسلة!! وقد لا تكفي الصفحات ولا تفي الكلمات. فرحمات الله على أبطالنا الأبرياء الراحلين. ولا يبقى لنا الا الصلاة، ونحن أبناء الرجاء ،لعل تلك الذماء الذكية التي تروي تربتنا المقدّسة تنبت أملا زاهرا وتسطع بِغَدٍ مشرق.
ويبلغ صوتنا السماء وتزهو أرضنا بالنقاء، وترتدي بيروتنا حلّتها الجديدة، ويبقى لبناننا منبع العنفوان ومنارة الدنيا.
…. “ودارت الأيام ومرّت الأيام” وأقبل عام ليودّع العام، ولا ولم تصغر بل كبرت وتفاقمت الأوجاع والآلام، وطلع الدخان الأسود لينتشر في فضاء التشاؤم ويعكّر صفوَ السلام، وبدت واضحة في كل ساحة وعلى كل مسكن أو مدرسة أو مؤسسة أو متجر أو كوخ أو قصر… معالم الإجرام، وكل ذلك نتيجة إنفجار غادر في زمن قاهر، دمغ بحقده الجسد والروح، وراح وهو في أرجاء، “ست الدنيا” يعبث مدمّرا ومخرّبا في قلبها ويسوح، ورائحة النتانة تتفشى وتفوح لتدنّس أعرق الشواطىء وتبلغ أروع السفوح.
فيا أكذب وأجبن فرسان السياسة البالية،كفاكم إمتطاء أحصنة الإنجازات الواهية، والدعايات اللاّهية.
يا أيها المتحصًنون،وراء زعاماتكم وأوصيائكم وأكاذيبكم ومرجعياتكم،إنها حصانات تشابه شخصياتكم وهي من صُنْع و”فبركة” البشر.
يا أيها المتهرّبون من الأحكام والمتلطّون وراء أضغاث الأحلام، إسمعوا وعوا..!!! لا حصانة لكم أمام رب البشر كي يرفعها، لكنكم سترفعون الى نار العذابات، لأنه إن استطعتم التفلّت من حكم الأرض، فالويل ثم الويل لكم من عدالة السما، وسنبقى منتظرين وآمالنا مشتغلة، وسنبقى ساهرين ومصابيحنا مشتعلة….

