وأطلّ زمن القيامة هذا العام، والبلد لا تسكنه الطمأنينة ولا يظلّله السلام، فوجدتُنا في أجواء عاتمة وأمام لوحة قاتمة، وقد غُصْنا في عمق النكبات، كما نُغِّصنا من عقم الانتخابات، وأشتدّت قساوة الظروف والمحن، واتسعّت المجالات أمام أهل النميمة والفتن، وراحت النكايات تنحر في وريد هذا الوطن.
وصدق ظنّنا بأن الدعوة الى إنتخابات محليّة ، وقبل أن تشدّ أحزمة الرحيل وتسلك سبل التأجيل، ما كانت إلا إستعراضات وزاريّة ومزايدات نيابيّة وبطولات وهميّة على غرار بطولات “فهمان” التلفزيونية، لا بل كانت محاولة إلهائيّة للتغاضي عن الظروف المعيشيّة عبر رمي صنّارة الديمقراطيّة في بحر الجهوزيّة، وصدق المثل “بين حانا ومانا ضاعت لِحانا”، وقد فعلت تلك الدعوة فعلتها عند بعض الذين يعشقون المناصب من “المسترشحين”، وعند الذين ينتظرون المواسم من “المستنخبين”، والذين يطلقون معركة إعادة الإعتبار لماضيهم الحزين…، وحضرنا مسرحيّةفي مجتمعاتنا، من بين أبطالها من يعرض الأصوات للبيع في سوق النخاسة العدديّة، أو ذلك الذي يوقظ العصبيّات العائليّةو يثير الحساسيّات التاريخيّة، ويحارب الروح التوافقيّة، وذاك الذي يستعجل الإستعدادات عبر اللقاءات أو”التمشايات” الليليّة، أو الذي يغدق وعوداً بألوان الرياء مطليّة،ويقتحم الموسم من لم يساهم في حياته بأي عمل من الأعمال الخيرية والحفلات الريعية ،ومن لم يدعم ولو بفلس أرملة المشاريع العمرانية،ومن لم يكلّف نفسه عناء الواجبات الإجتماعية،ويدّعي من يدّعي بأنه ووفقا لإحصاءاته يتمتّع بأوسع”شعبية”وليس من له عليه الأفضلية. ناهيك عن الذين يتسابقون في المناسبات الدينيّة وخلال فترة الإستحقاق الى إحتلال الأماكن الأماميّة، أو حتى أثناء الزيّاحات يبارحون الساحات الى الزوايا لعقد الخلوات الإنتخابيّة، فضلا عن الذين يفضلّون مصالحهم الشخصية ونذواتهم الذاتيّة على المصلحة العامة والأهداف الإنسانيّة ، معتقدين أن المركز زعامة وأن المنصب فخامة. وتلتقي بمن يحسبك رقماً من أرقامه الحسابيّة، ويُقَبّلك من لم يَتَقبّلك يوماً، ويزورك من لم يزرك يوماً، ويتصّل بك من لم تسمع صوته يوماً، ويأخذك في الأحضان حتى من لم يشاركك يوماً في الأفراح أو في الأحزان، “ويأتيك بالأخبار من لم تزوّدِ” أو من على كرامة الكرام يعتدي، حتى أنّ الذي لم يشرّع بابه يوماً يستهدف بيتك المفتوح، وينتقدك إذا كان عندك ذرّة من طموح…
وإذا أردنا التوسّع أكثر في استعراض هذه المرحلة فقد تضيق عندنا الصفحات والسطور ، كما تضيق عندهم التفهمّات والصدور. واعذرونا إذا انتفضت في أفواهنا لغة الصمت وراحت تسرح بين نبضات القلب وصدق المشاعر وبين إشراقة الغد وومضات الأمل، لترتدي كلماتنا وشائح الوفاء ولنلّون أعين المعاني بكحل النقاء، ونحن الذين ما برحت تضاء في نفوسنا شعلة الإيمان، واستمرّ ضميرنا ينبض في ثنايا الوجدان، وتبقى الأولويّة في قاموسنا لإنسانيّة الإنسان. وكما ٱمنا بقيامة المخلّص سنبقى نؤمن بقيامة لبنان. مقرنين الأمنيات بالصلوات والطلبات بحسن النيّات.
وبعد إسهابي في الحديث عن الموسم الإنتخابي، هاأنذا أنشد الراحة ، وحظيت وسط صحراء هذه الأيام بواحة ،تطيب في أرجائها الإستراحة ،التي تتٱلف مع سمو الصداقة وتتٱخى مع طهر العلاقة. وهكذا ودّعنا زمن الصوم لنستقبل مع نخبةمن القوم، زمن الفصح المجيد ولتكتمل الفرحة مع تلبية الدعوات إلى موائد العيد، التي تهادت بين ضيعتنا حصارات وجارتها عبادات.
ففي بيت الصديق “نعمةاللّه الحويّك” إستحالت النقمة على الأوضاع الى نعمة التلاقي، وتذوقّنا نكهة الترحاب قبل أن نتذوّق غنى الأطياب، وتشاركنا مع أهل الدار ومع أطيب الأصدقاء من الزوّار، وقد كانوا على صداقة وطيدة مع المرحوم الوالد، وهكذا تسلّلنا إلى مضاجع الذكريات واستمطرنا شٱبيب الرحمة على من غادرنا من أهل هذا البيت، الذي تابعنا معه مسيرة الصداقة المعمّدة في جرن الوفاء والمتقدّة بنور الصفاء. ويبقى هذا البيت بيت الكرم والجود، ويستقبلنا بأكثر من”جود من الموجود”.
أما في عبادات فلبّينا دعوة الصديق “باسم يوسف” الى العشاء بمناسبة العيد ولنشهد على ما شهدته تلك الدار الواسعة من أعمال ترميم وتجديد، فحافظت على قِدمها كما على قيمها، وراحت تزهو بكرمها، وكم سررنا بلقاء أطيب الأصدقاء من أهل البيت والمخاتير والضبّاط….وكأني بالعتبات تنطق بالترحاب ويفرح الأصحاب وتُرفع الأنخاب، وتصدح الأغاني وتُطلق الأماني وتُختصر الساعات بالثواني.
ولكم شعرنا أنّنا في زمن ٱخر، لأنّنا بصداقتنا مع هذه النخبة من الناس نفاخر، حيث الأخلاق تسيطر وتُسكب النِعم، وحيث النخوة تحضر وتَستعر الهمم، وحيث يُطلق اللّحن ويحلو النغم، وحيث نلتقي بأهل الجود والكرم وتتجدّد تلك البيوت التي تتغنّى بعتقها من دون أن يقتحمها الهرم. فللعزّ فيها وزنته، وللإنسان قيمته، وللتاريخ بصمته، والصدق شلّال يَدفق فيها مثل النهر، ولا يوجد بين حناياها من يطعن في الظهر.
وفي الختام أراني أزيح النقاب عن ستائر مخاوفي، وأجدّد ولائي للحقّ وأعلن معه دائما تحالفي. وسأبقى أحلم “بالجمهورية الفاضلة” طالما أن البلد لم يخلو من الوجوه الفاضلة.
يلفت موقع “قضاء جبيل” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر الّا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره. |

