13.7 C
Byblos
Sunday, January 18, 2026
أبرز العناوينقزحيا يوسف عبود..رمز الإيمان والحماسة في أرض القداسة

قزحيا يوسف عبود..رمز الإيمان والحماسة في أرض القداسة

بقلم غانم إسطفان عاصي

كلّما بلغني خبرُ رحيلِ صديق، كلّما شعرتُ بأنّ حياتي تفقد الكثير من البريق، وإن كان العطرُ باقياً كما أنّ الذكرى عابقة بفوح الرحيق.

فكيف إذا كان هذا الصديق يجمع الصدقَ والتواضع إلى القلب الطيّب والصيت الرائع، ولا يرشح منه إلّا زيتُ المنافع؟

وكيف إذا كان قد تشبّع بالإيمان من فيض بقعةٍ مميّزة من جبال لبنان، وارتوى حماسةً من نبع القداسة؟

وقد وُلد ونشأ في ضيعة عنايا الجبيلية، وعاش فيها، وكان من خيرة وخميرة أهاليها. فالتصق بها وباسمها ونشاطاتها، وبحكاياتها ومسيراتها، وبقدّاساتها وحفلاتها وبزياحاتها وساحاتها، وبأفراحها وأتراحها، وببشرها وحجرها، وبثمرها وشجرها، وبصيفها وشتائها، وبحرّها وقرّها…

وهو الاسم الذي تفتّح مع مواسم الإيمان وأزهر في أرض العنفوان. هو الذي عمل بقول الربّ وعاش الحبّ:

«لا تكن محبتكم بالكلام أو باللسان، بل بالعمل والحق».

… ورنّ جرس هاتفي:

«رحل صديقك قزحيا…!!!!»

فرنّت أجراس الحزن في فؤادي، وكأنّي بصداها يتردّد بين الجبل والوادي، وعلى صور الماضي ينادي، بعد أن ترجّل الصديق عن صهوة جواد العمر، وقد غدر القدر بذلك القلب واختصر له الدرب.

أمّا وقد حفر حضوره وتضحياته على جدران الأيّام، فلن تبخل عليه الصفحات، ونجدها تتحبّر من مزاياه الأقلام.

وانطلقت أمزج مداد المحبّة بوجع الفراق، وأسْكب كلمات الصدق مع مشاعر الاشتياق في طبقٍ من أثمن الأطباق، على وقع رحيل جار الرهبان، وجار مار شربل ومار مارون، وفي عزّ كانون، في عيد أب الرهبان القديس أنطونيوس.

وماذا فعل بنا قزحيا، وعلى غير عادته؟!

ذلك الذي من كلّ ثلج يزداد نقاءً، ومن كلّ برد يزداد اشتعالاً بالله.

فقد جعلنا نتوشّح بالسواد، بينما جبل عنايا وجبال لبنان يتوشّحون بالبياض، وجعل الدموع تنهمر من السماء لتحاكي تلك التي تنهمر على الوجنات. وارتفعت الابتهالات والصلوات، وتفجّرت الحسرات والحشرجات، واستفاقت في حنايانا مشاعر الحنين، وتزاحمت الذكريات، وراحت السنوات تسترجع السنوات، فتشلّحنا في أحضان أروع المناسبات، وتعيدنا إلى القرن الماضي، إلى أواسط التسعينات، حيث وُلدت بيننا صداقة صادقة، وعلاقة سامقة، وزمالة متطابقة في العمل والإيمان، وفي سبيل التقدّم والعمران، متقاسمين الشغف إلى بناء الصروح الإيمانية، وبالاندفاع والتفاني من كلٍّ منّا في خدمة الرعيّة، للقدّيسين يواكيم وحنة في عنايا، وإلى جانب الكنيسة الأثرية الفريدة في لبنان بهذا الاسم، ولسيّدة البيدر في حصارات، في لوحة جمالية.

وتحضرني تلك الزيارة السنوية إلى دياري للراحل الغالي، وبرفقة الصديق النشيط والمتفاني، رئيس بلدية عنايا السابق بطرس عبود، بهدف دعوتي إلى تقديم الحفلة السنوية لعيد شفيعي الرعيّة. وهكذا أضحى يوم الثامن من أيلول يوماً مقدّساً لعنايا وأهلها وقاصديها، كما الأحد الثالث من تمّوز، والثاني والعشرين من كلّ شهر.

وفي رحاب عنايا لمستُ عمق الانتماء لتلك الأرض الطيّبة والمباركة والمقدّسة، وحيث أصبحت الوزنات والمواهب التي حباني إيّاها الخالق لخدمتها مكرّسة، وطُبعت في مخيّلتي ذكريات لا تُنسى، ومشاعل لا تنطفئ.

حيث امتزج الفنّ بالخشوع، والأضواء بالشموع، وتعانق مار شربل مع جدّ وجدّة يسوع، وتدفّقت المعاني، وصدحت الأغاني، وتنوّعت الأفكار، وحضرت الأشعار.

واعتليت المسرح واقفاً واثقاً، صادقاً، متألّقاً، تماماً وكأنّي في رعيّتي، سكباً لأحاسيسي في كؤوس الفرح، رافعاً نخب الحاضرين والمتبرّعين والمندفعين من أهل الإخلاص والمؤمنين بربّ الخلاص، وفي طليعتهم شيخ الهمّات قزحيا عبود، وهو من الركائز الأساسية في الرعيّة وفي لجنة الوقف دائم العضوية، وكلّ ذلك وسط اهتمام ابن الرعيّة الأب سيمون عبود، ورعاية كاهنها الأب لويس مطر، أطال الله بعمرهما، ومصداقية كلمة الترحيب باسم لجنة الوقف من الخادم الأمين طوني أبي سليمان، أمدّه الله بالصحة، وإطلالة الصديق الراحل الأديب سليمان إبراهيم على المدخل، وحداء و«حوربة» شيخ الشباب المرحوم يوسف زيادة، ونكهة أشعار جار عنايا الراحل ابن طورزيا الشاعر طانيوس لحود، و«هوسة» الشباب ورقصة «الدبّيكة»، وبينهم قزحيا بنقلته وابتسامته، بحيويّته ونخوته… وبهمّة جميع أبناء الرعيّة الذين لو عمدنا إلى تعدادهم لما اتّسعت الصفحات.

وبقي الصديق قزحيا على قيمته حتّى آخر رمق، وحافظ على وفائه لأصدقائه، وقد كان يبادلنا ذلك الوفاء بتلبيته دعواتنا، وحضور احتفالاتنا، وتقدير مساهماتنا، وتشجيع نشاطاتنا. وكما كنت أستعذب لقاءه، خاصّة في القدّاس الصباحي، وكلّما قصدت دياره، فقد كنت كلّما صادفت صديقاً أو قريباً أو نسيباً له، أعمد إلى «تحميلهم السلامات» وإرسال التحيات، مع نهمي الدائم لاستطلاع أخباره.

وها أنذا أودِع مشاعري بين أضلع الكلمات، في وداع صاحب السمعة اللامعة، والنبرة الرائعة، والشخصية الوادعة، والإشراقة الساطعة، والتضحيات الخاشعة…

فقزحيا عبود، كما تربّى في كنف والدين تقيَّين، ووسط شقيقات ودودات ومخلصات، في عائلة كانت بمثابة كنيسة بيتية، فقد أسّس عائلة على غرار العائلة السماوية، بالتعاون مع زوجته ورفيقة عمره الوفيّة إيفيت. وقد أينعت تلك التربية في بستان حياته، كما تينع الأشجار المميّزة بالثمار الجيّدة، وحيدته شانتال الراقية والمثقّفة، ووحيده الريّس مارك، الذي اقتفى خطى والده في الخدمة، كرئيس لبلدية عنايا وكفر بعال، وهو الشاب النشيط والمندفع والمعطاء. وكانت باكورة نشاطاته مباركة ،من خلال الإشراف على تنظيم زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى ضريح قديس لبنان والعالم مار شربل، وقد تُوّجت تلك الزيارة بالنجاح.

وإذ نتألّم اليوم في وداع شخص بشوش يرنّ له جرس القلب حتّى قبل جرس الكنيسة، نجد أنّه يرحل تاركاً فلذةً من قلبه في قلب ضيعته، وزارعاً أثراً عطِراً في بال كلّ من عرفه، وغارساً شتلة إيمانية في خيال كلّ من صادفه، وسيبقى حيّاً في أذهان الناس، كما صوته الصادح في القدّاس، متردّداً في صدى البال، وراسماً لوحة نادرة بألوان الجمال.

أيّها الصديق قزحيا،

ستبقى خالداً، واسمك مرصّعاً بالسخاء والصفاء، وبالعطاء والبناء…

فالرحمة لروحك،

والورود لذكراك الطيّبة،

وجميل الصبر لأهلك وأحبّائك،

والعزاء لعائلتك وضيعـتك.

- إعلان -
- إعلان -
- إعلانات -
- إعلانات -

الأكثر قراءة

- إعلانات -
- إعلانات -
- إعلان -
- إعلان -
error: Content is protected !!