
نُشاهد في الآونة الأخيرة كثافة في المقالات والتعليقات التي تتساءل: أين أهالي المتن؟ وأين نوّاب المتن؟ وذلك على خلفية ملف شركة كورال وما يُثار حوله من مزاعم تتعلّق بالتوسّع وبما يُقال إنه خطر يُهدّد المنطقة.
وإذ إنّ هذا القلق يُفهم في سياقه الطبيعي، لما للمسائل المتعلّقة بالسلامة العامة والبيئة من حساسية وأهمية بالغة، فقد ارتأيت، بصفتي محامية وناشطة في الشأن العام، أن أُدلي برأيي في هذا الموضوع بموضوعية تامّة، بعيدًا عن الشعبوية والبطولات الوهمية، وبمنأى عن أي ضغط على القضاء متى كانت الملفات عالقة أمامه.
وانطلاقًا من ثقتي الكاملة بالقضاء اللبناني وبنزاهته، أرى أن من واجبه حسم هذا الملف في أقرب وقت ممكن، إحقاقًا للحق، وتحديدًا للمسؤوليات، وإعطاءً لكل ذي حق حقه، وفقًا للأصول القانونية المرعية الإجراء.
غير أنّ احترام القضاء لا يعني الامتناع عن البحث واجراء بعض التحقيقات الخاصّة، بل يفرض مقاربة هادئة ومسؤولة، قائمة على المعطيات.
ما الذي تُظهره الوقائع القانونية؟
من خلال مراجعتي للمستندات والقرارات الرسمية ذات الصلة، يتبيّن أنّ شركة كورال قد خضعت، منذ عام ٢٠١٧، لمسار إداري وتنظيمي متكامل، شمل:
• الحصول على موافقات صريحة من وزارة الطاقة والمياه لاستبدال خزانات قديمة وإضافة خزانات جديدة للمشتقات النفطية السائلة والمسيّلة:
• استصدار رخصة بناء قانونية صادرة عن بلدية برج حمود، استنادًا إلى كشف فني أُجري من قبل اتحاد بلديات المتن الشمالي الساحلي والأوسط:
• إخضاع الأعمال لمراقبة تقنية متواصلة من جهات مختصة، وتقارير فنية صادرة عن شركة مراقبة معيّنة من قبل وزارة الطاقة؛
• استكمال الإجراءات اللاحقة من وزارة الاقتصاد والتجارة، المجلس الأعلى للجمارك، ووزارة الأشغال العامة والنقل، بما في ذلك تمديدات رسمية لرخص البناء وفق الأصول.
وعليه، فإن التراخيص، من حيث الشكل والمسار الإداري، سلكت طريقها القانوني الطبيعي، وتوزّعت على أكثر من مرجع رسمي مختص، ولم تصدر بقرار منفرد أو استنسابي خارج الأطر القانونية.
هل تُنشئ التراخيص حقًا مكتسبًا مطلقًا؟
هنا لا بدّ من التوضيح.
فالمرسوم رقم ٩٩٩٤/٢٠١٣، المتعلّق بالنظام التفصيلي للمنطقة الصناعية في برج حمود، سمح لمؤسسات تخزين وتوزيع المشتقات النفطية الحاصلة على ترخيص دائم قبل صدوره بالاستمرار في مواقعها بصورة مؤقتة، إلى حين أن تُحدّد الإدارة المختصة مواقع بديلة خارج النطاق المديني.
بمعنى أدق:
• إن التراخيص لا تُنشئ حقًا مكتسبًا بالبقاء الدائم؛
• ولا تُحصّن المؤسسة من أي قرار لاحق بنقلها؛
• لكنها، في المقابل، لا تمنع التوسّع أو التطوير مبدئيًا، طالما يتم ذلك ضمن الشروط الصارمة للسلامة العامة.
وقد ربط المشرّع هذا التوسّع بالتقيّد بأحكام المرسوم رقم ٥٥٠٩/١٩٩٤، الذي يحدّد الشروط التنظيمية العامة لمجمعات المشتقات النفطية، ولا سيما التدابير المرتبطة بمنع التسرب، السلامة الساحلية، وإدارة المخاطر، وهي شروط تخضع لرقابة فنية مستمرة من المرجع المختص.
كما أن النصوص التنظيمية ذات الصلة لم تُلزم هذا النوع من المؤسسات بإجراء تقييم للأثر البيئي متى لم يؤدّ التعديل إلى تغيير في فئة التصنيف، وهو ما يُظهر أن المشرّع عالج هذه الفئة بمعايير خاصة، مختلفة عن سائر المؤسسات الصناعية.
بين القلق المشروع والضغط غير المشروع
اليوم، بات الملف أمام:
• قاضي الأمور المستعجلة،
• ومجلس شورى الدولة للنظر في مشروعية التراخيص وحدودها.
وفي هذه المرحلة تحديدًا، يصبح أي تصعيد سياسي أو إعلامي أو خطاب تعبوي، مهما كانت نواياه، عامل ضغط غير مباشر على العدالة، لا وسيلة لحماية الأهالي.
فالسلامة العامة لا تُصان بالشعارات، بل بتطبيق القانون، وبترك القضاء يقوم بدوره من دون تشويش أو استثمار سياسي.
وإذا انتهى القضاء إلى إبطال التراخيص؟
من الواجب هنا قول الحقيقة كاملة.
إذا قرّر القضاء المختص إبطال التراخيص أو اعتبار التوسّع غير قانوني، فإن المسؤولية لا يمكن أن تُلقى على عاتق الشركة وحدها.
فالدولة اللبنانية، عبر إداراتها المعنية، هي التي:
• منحت الموافقات،
• وأصدرت التراخيص،
• وأشرفت على التنفيذ،
• وسمحت باستثمارات ضخمة بُنيت على قراراتها.
وفي هذه الحالة، يصبح التعويض على الشركة حقًا مشروعًا، وتصبح المحاسبة واجبة داخل الإدارات التي منحت التراخيص، لأن الخلل، إن ثبت، يكون إداريًا قبل أن يكون استثماريًا.
وهنا تبرز الحاجة الحقيقية إلى إعادة التدقيق في آليات منح التراخيص، وتحديد المسؤوليات، ومساءلة من أخطأ، بدل الاكتفاء بتوجيه الغضب نحو جهة واحدة.
خلاصة القول
أنا ابنة هذا المتن، وأعرف خوف أهله كما أعرف وجعهم اليومي. وأعرف أن السلامة العامة ليست مادة سجال ولا عنوانًا سياسياً، بل حقّ أساسي لا يُساوَم عليه، وقلق مشروع لا يحتاج إلى تبرير.
موقفي في هذا الملف ليس مع شركة، ولا ضد شركة، ولا مع استثمار، ولا ضد استثمار.
موقفي هو مع الحقيقة، ومع القانون، ومع حق الناس بأن يُدار هذا النوع من الملفات بمسؤولية لا بانفعال.
أنا مع أهل المتن في حقهم بالطمأنينة، وفي حقهم بمعرفة الوقائع كاملة، بلا تهويل وبلا استثمار للخوف.
ومع المحاسبة الجدية، متى ثبت الخطأ، أيًّا كان مرتكبه، ومن دون انتقائية أو تصفية حسابات.
لكنني، في المقابل، أرفض بشكل واضح أي محاولة للضغط على القضاء عبر الحملات الإعلامية، أو المنابر السياسية، أو توظيف وسائل التواصل الاجتماعي، متى كان الملف عالقًا أمامه.
فالقضاء لا يُحترم بالتصريحات، بل بتركه يعمل بحرية، ومن دون حصار أو تشويش أو تعبئة شعبية موجّهة.
والأخطر من ذلك، أن يتحوّل الإعلام أو القنوات أو الخطاب السياسي إلى أدوات ضغط غير مباشر على العدالة، بدل أن تكون وسائل لنقل الحقيقة.
وهنا، يصبح واجبًا علينا جميعًا أن نفكّر جديًا بآليات واضحة تمنع هذا النوع من الممارسات، وتحمي استقلال القضاء، وتضع حدودًا فاصلة بين حق التعبير وحق التقاضي السليم.
فالقانون لا يُدار بالنيات، بل بالوقائع الثابتة.
والدولة لا تُبنى بالصوت العالي، بل بالمؤسسات.
ولا تُحمى السلامة العامة إلا بقضاء حرّ، قادر على إصدار قراره من دون ضغط، ومن دون خوف.
وفي النهاية، ومن أجل أهل المتن أولًا وأخيرًا، تبقى الكلمة الأخيرة، ويجب أن تبقى، للقضاء!!!

