أبرز العناوينالأسعار تتفلّت… والإيجارات تحلّق: من يوقف الفوضى؟

الأسعار تتفلّت… والإيجارات تحلّق: من يوقف الفوضى؟

لارا أبي رافع

“ما كنت أشتريه بـ100 دولار، لم أعد أستطيع اليوم شراء نصفه بالقيمة نفسها”، يقول سمير، وهو أب لثلاثة أولاد، شاكياً الارتفاع الحاد في أسعار السلع منذ بدء الحرب، مضيفًا: “لم نعد نشتري كما كنّا، بل نكتفي بما نستطيع، ونعيد حساباتنا أكثر من مرة قبل أن نضع أي سلعة في السلّة”.

تعكس هذه الشهادة واقع أزمة كانت قائمة أساسًا في لبنان قبل اندلاع الحرب، نتيجة الانهيار الاقتصادي وغياب الرقابة على الأسعار والخدمات، إلا أن الحرب في الشرق الأوسط ساهمت في تفاقمها، مع ارتفاع تكاليف النقل وأسعار النفط، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية. وقد ظهر هذا التأثير بوضوح أكبر في الأسابيع الأخيرة، مع تسجيل زيادات غير مسبوقة في الأسعار، بالتوازي مع ارتفاع كبير في بدلات الإيجار أساسه الجشع وازدياد الطلب على المنازل خصوصًا في المناطق التي استقبلت نازحين.
وفي ظل غياب رقابة فعّالة تضبط الأسواق، يواصل المواطنون تحمّل كلفة هذا الارتفاع من قدرتهم الشرائية، وسط تساؤلات متزايدة حول دور الدولة والإجراءات التي يمكن أن تعتمدها للحد من تفلّت الأسعار وحماية المستهلكين.

موجة غلاء أم ارتفاعات فرديّة؟
بحث اجتماع لجنة المؤشّر في موضوع ارتفاع الأسعار. والمشكلة الأساسية، وفق ما يقول نقيب مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي، لموقع mtv، تطال الخضار والفواكه واللحوم المجمدة وذلك لأنها تكون طازجة وعادة ما تحتاج إلى التبريد للحفاظ عليها. ولكن البضائع الجافة مثل الحبوب والأرز والمعلبات لا مشكلة فيها وعادة ما تكون مستقرّة أكثر.
ويشدّد بحصلي على أنّ “نقطة التحوّل بالنسبة إلينا كقطاع خاص ليست الحرب، بل حماية البنى التحتية وتحديداً مرفأ بيروت، لأنّه العنصر الأساسي في حماية استمرارية تدفق البضائع إلى البلد، وأي خلل يؤثر على توافر المواد الغذائية لأن لا حلول بديلة”.
ويعتبر أنّ هناك جدلاً كبيراً في ما يخصّ موضوع الأسعار، قائلاً: “التفلّت والارتفاعات التي يراها بعض المواطنين تكون في الغالب فردية وفي المحال الصغيرة وليست في السوبرماركت حيث يتمّ التقيّد بالأسعار التي تخضع للضغط أخيراً نتيجة التوترات التي تشهدها المنطقة وارتفاع أسعار المحروقات”. ويشرح أنّ الأسعار ارتفعت لأنّ التكلفة زادت ولكنّ نسبتها لم تتعد الـ2 إلى 3 في المئة، وفق ما يؤكّد.

جمعية حماية المستهلك: الدولة غائبة
في المقابل، يعتبر رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برّو أنّ الدولة غائبة كليًّا. ويقول لموقعنا: “عادةً في كل دول العالم عندما تكون هناك أزمة بهذا الحجم، تتدخل الدولة وتضع ضوابط تأخذ بعين الاعتبار الظروف الاستثنائية، ولكن في لبنان اعتدنا أن تنفلت الأمور، والدولة غير موجودة لتضع الضوابط”. فما الذي تفعله الجمعية لحماية المستهلك فعلاً؟
يُجيب برّو: “دورنا كجمعية حماية المستهلك هو الاطلاع على الوضع ونقوم بمراقبة الأسعار بشكل دائم. ولكنّنا لسنا ضابطة عدلية ولا نملك صلاحيات تنفيذية لاتخاذ إجراءات على الأرض إلا أنّنا نتابع الموضوع عبر التوعية ووضع اقتراحات أمام الدولة لتقوم بدورها. كما أنّنا نأخذ عينات بشكل دائم، ونصدر كل 3 أشهر ما يعرف بمؤشر الأسعار، يشمل نحو 160 سلعة وخدمة. وبعد حدوث أزمات معينة، نقوم بأخذ عينات من المحال التي يمكن الوصول إليها، لنتتبع زيادة الأسعار. وقد لاحظنا أخيراً أن جميع المواد الغذائية ارتفعت أسعارها”.
ويلفت إلى أنّه يمكن ضبط الوضع والحد من التفلّت لكن هذا يتطلّب وجود دولة وإدارات. فالأسعار تخنق المواطنين، وخصوصاً النازحين، لكنّ الدولة ليس لديها القدرات أو الإمكانات أو النية حتى للعمل على هذا الموضوع.

آلاف الكشوفات ومئات محاضر الضبط
تُعدّ المواد الغذائية من أكثر القطاعات تأثّراً بالارتفاعات، فيما بات تأمينها من أبرز هواجس اللبناني. في هذا السياق، تؤكّد مصادر في وزارة الاقتصاد والتجارة أنّ مديرية حماية المستهلك كثّفت جولاتها الرقابية تجاوباً مع الأوضاع الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد. وقد صدر تعميمٌ بعد اندلاع الحرب، طُلب فيه التشدّد في الرقابة وضبط الأسعار لا سيما المواد الغذائية الأساسية.
وتُشير المصادر، عبر موقع mtv، إلى أنّ مراقبي حماية المستهلك ومصالح وزارة الاقتصاد نفّذوا في مختلف المحافظات 4074 كشفاً ميدانياً، منذ مطلع العام ولغاية 13 آذار الحالي، نتج عنها تسطير أكثر من 190 محضر ضبط إضافة إلى 332 محضر ضبط تمّت إحالته إلى القضاء المختص، توزّعت بين سلامة غذاء وأسعار وأوزان ومولدات كهربائية وسواها. كما استجابت فرق الوزارة لأكثر من 235 شكوى من المستهلكين.
وكشفت المصادر أنّ أبرز المخالفات التي رصدت هي غش في محطات المحروقات واحتكار، ومخالفة التسعيرة الرسمية، ونقص في الكيل، واحتكار أطنان من الغاز في شركة كبرى.

خطة الوزارة  
رغم الآمال، تبدو هذه الحرب مرشّحة للاستمرار. وحتى في حال انتهت قريباً، يؤكّد الخبراء أنّ تداعياتها ستكون طويلة الأمد. هنا، تشرح المصادر الخطة التي وضعتها الوزارة لضمان الأمن الغذائي وتوافر السلع الأساسية في مختلف المناطق، والحفاظ على انسيابية سلاسل الإمداد ومنع أي اضطرابات في الأسواق أو احتكار أو تلاعب بالأسعار أو استغلال للظروف. وتتضمّن الخطّة الاستفادة من المخزون الاستراتيجي المتوفر لا سيما من الطحين والقمح والمحروقات والسلع الغذائية الأساسية، توازياً مع تأمين شحنات إضافية بشكل استباقي وحضّ المستوردين على استيراد كميات كافية والتنسيق مع شركات الشحن والموردين الدوليين لتسريع وصول الشحنات الجديدة.
كما طوّرت الوزارة قاعدة بيانات ديناميكية لمراقبة أسعار المحروقات والسلع الأساسية بشكل شبه فوري للتعامل معها فوراً. وقد عمدت إلى تفعيل المجلس الوطني لسياسة الأسعار، الذي كان متوقّفاً منذ 2022، والدعوة إلى اجتماعات مفتوحة له منذ بدء التصعيد الأخير.
يضمّ هذا المجلس إلى جانب وزارة الاقتصاد ومديرية حماية المستهلك، ممثلين عن وزارات المالية والسياحة والعمل والزراعة، وعن إدارة الإحصاء المركزي ومصرف لبنان وغرف التجارة والصناعيين والنقابات العمالية. ويهدف إلى درس تطورات الأسعار وتحديد القطاعات والسلع الأكثر تضرراً، إضافة إلى تحليل العوامل المؤثرة في ارتفاع الأسعار، بما فيها أوضاع سلاسل التوريد وإصدار توصيات عمليّة لتنفيذها بالتنسيق بين مختلف هذه الإدارات والوزارات.
يأتي ذلك كلّه، في ظلّ غياب أي ضبط فعلي للسوق والأسعار وآليات تحمي المستهلك أو النازح من استغلال بعض التجار وجشعه. وهو ما يفتح الباب أمام فوضى اقتصادية تتغذّى من الأزمة نفسها. 

الإيجارات تحلّق بلا سقف
بخلاف موضوع أسعار السلع برزت في هذه الأزمة قضية الشقق السكنية، التي”طارت” أسعار إيجاراتها بدون سقف أو ضابط مع أزمة النزوح القائمة وازدياد الطلب عليها. هنا، يروي موسى ع. أنّه اضطرّ إلى استئجار منزل متواضع في إحدى مناطق شمال لبنان مع تصاعد الحرب، حيث طُلِب منه بدل إيجار يبلغ 800 دولار شهرياً، وهو مبلغ مرتفع جدًّا نسبة لحال المنزل.
ورغم أنّ المبلغ يفوق قدرته، يقول موسى: “لم أجد خياراً آخر في ظل شحّ الخيارات وارتفاع الطلب”، مؤكّداً أنه مضطر للبقاء موقتاً، إذ لا يملك رفاهية المغادرة أو المجازفة كي لا يجد نفسه من دون مأوى. ومع استمرار الضغط المالي، بدأ موسى البحث عن مسكن بديل بكلفة أقل، إلا أن الخيارات المحدودة وصعوبة الانتقال في ظلّ هذه الظروف أبقته عالقًا في منزله الحالي.
ما يرويه موسى لسان حال كثيرين، إذ باتت الشقق بمثابة حلم يصعب الوصول إليها في الكثير من المناطق. ووصلت أسعار بعضها إلى أرقام خيالية متجاوزةً في بعض الحالات 4 آلاف دولار!
هو أمرٌ يؤكّده نقيب الوسطاء والاستشاريين العقاريين في لبنان وليد موسى، إذ يقول لموقعنا: “هناك عمليات استغلال تحصل وكثر من أصحاب الشقق يطلبون مبالغ أعلى من المفترض. ونلاحظ أن نسبة الغلاء زادت عن المعدل من مرّة ونصف الى مرّتين ونصف”. ولكنّه يوضح أنّه “عادة ما تكون الإيجارات قصيرة المدى أغلى من تلك طويلة المدى”، مشدّداً في الوقت نفسه على أنّ “حقّ الملكية مقدّس، والقرار يعود للمالك ما إذا كان يريد أن يقوم بتأجير الشقة أم لا”. ويستطرد: “من ناحية الأسعار للمالك أيضاً الحقّ في أن يحدّد السعر الذي يريد والمستأجر يقرّر ما إذا كان يريد الاستئجار. وبطبيعة الحال عندما يزيد الطلب على أي سلعة يرتفع سعرها وهذا ما يحصل في الشقق، ولكن نشدّد على أنّه يجب ألا تحصل عمليات استغلال”.

إذاً، كيف سيتم ضبط هذا التفلت بالأسعار؟ ومن الجهة المسؤولة عن ذلك؟ يُجيب موسى: ” لا رقابة على الإيجارات لأن لا جدوى منها إذ ضمن السوق الليبرالي لا إمكانية لتحديد سقف للسعر الذي يجب اعتماده. ولا يمكن لأحد أن يملي على أحد أن يؤجّر أو أن يحدّد السعر”. ويُضيف: “لا يوجد أي مادة في القانون تحدّ أو تعطي صلاحية لأيّ جهة رسميّة بأن تقوم بتحديد سعر الإيجار”.

“يُنشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافية تنظمها مؤسسة مهارات حول التغطية الإعلامية لمسار الإصلاحات”.

- إعلان -
- إعلان -
- إعلانات -
- إعلانات -

الأكثر قراءة

- إعلانات -
- إعلانات -
- إعلان -
- إعلان -