في 25 تموز 2026، تتجه الأنظار إلى الديمان حيث سيُعلن البطريرك الماروني المكرّم الياس بطرس الحويّك طوباويًا، في حدث كنسي وتاريخي يُعدّ من أبرز المحطات التي شهدتها الكنيسة المارونية في العقود الأخيرة. ويأتي هذا الإعلان تتويجًا لمسيرة طويلة من التحقيقات الكنسية التي تناولت حياة الرجل وفضائله والمعجزة المنسوبة إلى شفاعته، كما يشكّل مناسبة لإعادة إحياء سيرة شخصية لعبت دورًا محوريًا في تاريخ لبنان الحديث.

فالحويّك ليس مجرد بطريرك قاد الكنيسة المارونية لأكثر من ثلاثة عقود، بل هو أحد أبرز صانعي الكيان اللبناني، والرجل الذي ارتبط اسمه بالمجاعة الكبرى التي ضربت لبنان خلال الحرب العالمية الأولى، وبالمساعي التي أفضت إلى إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، ما جعله يُعرف بلقب “أب لبنان الكبير”.
من حلتا إلى بكركي
وُلد الياس بطرس الحويّك في بلدة حلتا في قضاء البترون بتاريخ 4 آب 1843، في زمن كان لبنان جزءًا من السلطنة العثمانية. تلقّى علومه الأولى في بلدته، قبل أن يتابع دراسته في مدرسة كفرحي، ثم في الإكليريكية المارونية في غزير.
وفي عام 1865، أُرسل إلى روما لمتابعة دراساته الفلسفية واللاهوتية في المعهد الماروني، حيث أمضى سنوات أسهمت في تكوين شخصيته الفكرية والروحية. وعاد إلى لبنان بعد سيامته كاهنًا عام 1870، ليتدرّج في المسؤوليات الكنسية حتى عُيّن أسقفًا عام 1889، ثم انتُخب بطريركًا للكنيسة المارونية عام 1899 خلفًا للبطريرك يوحنا الحاج.
واستمرت حبريته حتى وفاته في 24 كانون الأول 1931، ليصبح أحد أبرز البطاركة الموارنة في العصر الحديث.

في مواجهة المجاعة الكبرى
ارتبط اسم الحويّك ارتباطًا وثيقًا بالمجاعة التي ضربت لبنان بين عامي 1915 و1918 خلال الحرب العالمية الأولى، والتي تُعدّ من أكثر الكوارث الإنسانية قسوة في تاريخ البلاد.
ففي ظل الحصار البحري الذي فرضته قوات الحلفاء، والإجراءات العثمانية التي حدّت من وصول المواد الغذائية، إضافة إلى انتشار الجراد الذي دمّر المحاصيل الزراعية، شهد لبنان مجاعة أودت بحياة عشرات الآلاف من السكان.
في تلك المرحلة، تحوّل البطريرك الحويّك إلى مرجعية إنسانية ووطنية، ففتح الأديرة والمؤسسات الكنسية لاستقبال المحتاجين، وعمل على تأمين المساعدات الغذائية، وأطلق حملات إغاثة واسعة، كما تواصل مع جهات دولية وكنسية لتقديم الدعم للبنانيين المنكوبين.
وتشير شهادات تاريخية إلى أن مساعداته لم تقتصر على أبناء طائفة أو منطقة معينة، بل شملت مختلف اللبنانيين، ما عزّز مكانته كشخصية وطنية جامعة.
مهندس لبنان الكبير
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط السلطنة العثمانية، دخل الحويّك مرحلة جديدة من النضال السياسي والدبلوماسي.
ففي عام 1919، ترأس الوفد اللبناني إلى مؤتمر الصلح في باريس، حيث حمل مطلب اللبنانيين بإنشاء دولة مستقلة تتمتع بحدود تضمن لها مقومات الحياة والاستمرار.
وكان الحويّك مقتنعًا بأن متصرفية جبل لبنان بصيغتها السابقة لا تملك الموارد الكافية للعيش، لذلك طالب بضم السهول الزراعية في البقاع وعكار، إضافة إلى المدن الساحلية والمرافئ الرئيسية.
وبعد أشهر من الجهود الدبلوماسية، أُعلن قيام دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920، ليُسجَّل اسم الحويّك كأحد أبرز مهندسي هذا الكيان الجديد، وليحمل لقب “أب لبنان الكبير”.
رجل الكنيسة والتعليم
إلى جانب أدواره الوطنية، ترك الحويّك بصمة عميقة في الحياة الكنسية والتربوية. فقد دعم المدارس والمؤسسات التعليمية والرهبانيات، وساهم مع الأم روزالي نصر في تأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات.
كما أولى أهمية خاصة للتعليم باعتباره ركيزة أساسية للنهوض بالمجتمع، وشجّع على نشر الثقافة والعناية بالفقراء والمحتاجين، وعُرف بتواضعه وحياته النسكية والتزامه العميق بالصلاة.
لماذا تطوّبه الكنيسة؟
لا يرتبط مسار تطويب الحويّك بدوره السياسي أو الوطني، بل بحياته الروحية والفضائل التي عاشها طوال سنوات خدمته.
وبعد سنوات طويلة من جمع الشهادات والوثائق ودراسة سيرته، اعترف الفاتيكان عام 2019 بفضائله البطولية ومنحه لقب “المكرّم”، وهي مرحلة أساسية في مسار إعلان القديسين والطوباويين.
وتحدثت الشهادات التي جُمعت خلال التحقيقات عن حياة اتسمت بالتواضع والزهد وخدمة الفقراء والثبات في الإيمان، وهي عناصر أساسية أخذتها الكنيسة في الاعتبار خلال دراسة ملفه.
استُكملت دعوى التطويب بعد الاعتراف بمعجزة نُسبت إلى شفاعة البطريرك الحويّك، وتتعلق بشفاء الضابط اللبناني نايف أبو عاصي من مرض مزمن في العمود الفقري عام 1965.
وبحسب ملف الدعوى، فقد رأى أبو عاصي البطريرك الحويّك في المنام، ليستيقظ بعدها وقد شُفي من مرضه بصورة لم يجد لها الأطباء تفسيرًا علميًا.
وخضعت القضية لدراسات وتحقيقات طبية ولاهوتية دقيقة داخل دوائر الفاتيكان قبل الاعتراف بها رسميًا، ما فتح الباب أمام إعلان التطويب.
فتح الضريح واستخراج الذخائر
وفي إطار التحضيرات النهائية للاحتفال بإعلان الطوباوية، فُتح ضريح البطريرك المكرّم الياس الحويّك في دير العائلة المقدسة – عبرين بتاريخ 18 نيسان 2026، بناءً على طلب دائرة دعاوى القديسين في الفاتيكان.
وجرت العملية وفق الأصول الكنسية المعتمدة في دعاوى التطويب، بحضور لجنة مختصة، بهدف التعرّف إلى الجثمان واستخراج الذخائر التي تُستخدم في الاحتفالات والطقوس المرتبطة بإعلان الطوباوية.
وشكّل الحدث محطة لافتة، إذ أعلنت الجهات الكنسية أن جثمان البطريرك الحويّك لا يزال محفوظًا على حاله، بعد نحو 95 عامًا على وفاته.

ماذا يعني إعلان الطوباوية؟
يمثل التطويب مرحلة متقدمة في مسار إعلان القديسين. وبعد إعلان الشخص طوباويًا، يُسمح بتكريمه رسميًا ضمن الكنيسة وفي مناطق محددة، فيما تتطلب مرحلة إعلان القداسة لاحقًا الاعتراف بمعجزة جديدة تحدث بعد التطويب.
ولا تقتصر أهمية إعلان تطويب البطريرك الياس الحويّك على البعد الكنسي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى رمزيته الوطنية في مرحلة دقيقة يمرّ بها لبنان، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة وتحديات أمنية وسياسية ترخي بثقلها على حياة اللبنانيين.
فالرجل الذي واجه المجاعة الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى، ووقف إلى جانب شعبه في واحدة من أحلك الفترات التي عرفها لبنان، يعود اسمه اليوم إلى الواجهة في زمن لا يقل صعوبة، وكأن سيرته تحمل رسالة رجاء للبنانيين بأن الأزمات مهما اشتدت ليست قدرًا دائمًا.
وبين مجاعة الأمس وأزمات اليوم، يستحضر اللبنانيون شخصية البطريرك الحويّك الذي آمن بلبنان ودافع عن قيامه وتمسّك بالأمل وسط الظروف القاسية. ومن هنا، يرى كثيرون في إعلان طوباويته رسالة روحية ووطنية في آن، تؤكد أن لبنان الذي نهض من المحن والحروب قادر على النهوض مجددًا، وأن الإيمان والرسالة والتمسك بالوطن تبقى عناصر قوة في مواجهة التحديات.
فبعد أكثر من تسعين عامًا على رحيله، لا يزال البطريرك الياس الحويّك حاضرًا في الذاكرة اللبنانية، ليس فقط بصفته “أب لبنان الكبير”، بل أيضًا كشاهد على أن بعد الضيق فرجًا، وبعد الألم رجاء، وأن الأوطان التي تتمسك برسالتها قادرة على صناعة مستقبلها مهما اشتدت العواصف.







