بقلم المحامي بول يوسف كنعان، الأمين العام للرابطة المارونية
ليس تطويب البطريرك الماروني الياس الحويك حدثاً كنسياً عادياً، ولا محطةً عابرة في تاريخ الكنيسة المارونية، بل هو مناسبة وطنية وروحية كبرى، تعيد إلى الواجهة سيرة رجل استثنائي جمع بين القداسة والحكمة، وبين الإيمان والالتزام الوطني، فكان من أبرز صانعي لبنان الكبير وحماة رسالة العيش المشترك.
لقد تميّز البطريرك الحويك بشخصية جامعة، اتسمت بالشجاعة في الدفاع عن الحق، والتواضع في ممارسة السلطة الروحية، والانفتاح على جميع مكوّنات الوطن. حمل همّ الإنسان قبل أي اعتبار آخر، فكان صوت الجائع والمظلوم، ولم يتردد في مواجهة المجاعة والحروب والأزمات التي عصفت بلبنان خلال الحرب العالمية الأولى، مؤمناً بأن رسالة الكنيسة لا تنفصل عن كرامة الإنسان.
وإلى جانب دوره الكنسي، شكّل البطريرك الحويك ركناً أساسياً في ولادة الكيان اللبناني الحديث. فقد قاد، بحكمة وإصرار، المساعي الدولية التي انتهت بإعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، انطلاقاً من قناعته بأن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، وأن تنوعه هو مصدر غناه وقوته، لا سبب انقسامه.
ومن المحطات البارزة في مسيرته الوطنية، العلاقة التي جمعته برئيس الجمهورية إميل إده، والتي قامت على الاحترام المتبادل والإيمان العميق بلبنان الدولة والمؤسسات. فقد شكّل الرجلان نموذجاً للتعاون بين المرجعية الروحية والسلطة الدستورية، في مرحلة دقيقة من تاريخ الجمهورية، حيث التقت رؤيتهما حول ضرورة تثبيت الدولة، وصون استقلالها، وتعزيز وحدتها الداخلية، وإن اختلف الأسلوب أحياناً. وكانت تلك العلاقة مثالاً على أن الشراكة بين الكنيسة والدولة لا تقوم على المصالح، بل على خدمة الوطن والإنسان.
إن تطويب البطريرك الحويك اليوم يتجاوز تكريم شخصه، ليشكّل تكريماً لقيمٍ يحتاج إليها لبنان أكثر من أي وقت مضى: الإيمان، والوطنية، والاعتدال، والحوار، والتمسك بالدولة، والعمل من أجل الخير العام. ففي زمن الانقسامات والأزمات، تعود سيرته لتذكّر اللبنانيين بأن بناء الأوطان يحتاج إلى رجال أصحاب رؤية ورسالة، يضعون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
من هنا، فإن هذا الحدث يشكّل دعوة إلى اللبنانيين، بكل انتماءاتهم، لاستلهام إرث هذا البطريرك الطوباوي، الذي لم يرَ في لبنان مجرد حدود جغرافية، بل رسالة حرية وكرامة وشراكة. وستبقى سيرته منارة للأجيال، ودليلاً على أن القداسة يمكن أن تتجلى أيضاً في خدمة الوطن، وأن الإيمان الحقيقي يثمر مسؤولية وطنية، ويصنع تاريخاً يخلّد أصحابه.






