دولياتالسودان بين الحرب المفتوحة وشبكات الدعم الخارجي...

السودان بين الحرب المفتوحة وشبكات الدعم الخارجي…

من ممرات السلاح في تشاد إلى المرتزقة الكولومبيين والعقوبات الدولية…من يمدّ قوات الدعم السريع بأسباب الاستمرار؟

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية داخلية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. فمع مرور أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع القتال في نيسان 2023، تكشف سلسلة من التحقيقات الدولية والتقارير الحقوقية والوثائق التي تناولها عدد من المصادر، بينها مجلة The Brown Land في عددها الصادر في آب 2026، أن الصراع بات مرتبطاً بشبكات إقليمية ودولية معقدة تشمل السلاح، والتمويل، والذهب، والمقاتلين الأجانب، والممرات اللوجستية العابرة للحدود.

وفي قلب هذه الشبكة تبرز اتهامات متكررة لدولة الإمارات العربية المتحدة بتقديم دعم لقوات الدعم السريع، عبر مسارات مباشرة وغير مباشرة، فيما تنفي أبو ظبي بصورة قاطعة تقديم دعم عسكري لأي من طرفي الحرب.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بمن يخوض الحرب في السودان، بل بمن يجعل استمرارها ممكناً.

بداية القصة: حرب تحولت إلى أزمة إقليمية

اندلعت الحرب السودانية في نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وسرعان ما انتقلت من الخرطوم إلى دارفور والجزيرة وسنار والنيل الأبيض ومناطق أخرى.

وخلال الحرب، وُثّقت انتهاكات واسعة بحق المدنيين، شملت القتل والعنف الجنسي والنهب والتهجير وتدمير المنشآت المدنية.

وكانت مدينة الفاشر في شمال دارفور إحدى أبرز ساحات الصراع. وبحسب Human Rights Watch، سقطت المدينة بيد قوات الدعم السريع في تشرين الأول 2025 بعد حصار استمر نحو 18 شهراً، أعقبه توثيق عمليات قتل واسعة وانتهاكات بحق المدنيين والفارين من المدينة. كما تحدث التقرير عن وجود مقاتلين أجانب إلى جانب قوات الدعم السريع. (Human Rights Watch)

وهنا تبدأ الحلقة الأولى من التحقيق: هل يمكن فهم قدرة قوات الدعم السريع على الاستمرار في القتال من دون النظر إلى شبكات الدعم الخارجية؟

الإمارات في قلب الاتهامات

تورد مجلة The Brown Land أن تقارير أممية واستخبارية وميدانية أشارت إلى دور إماراتي في توفير قدرات لوجستية وعسكرية لقوات الدعم السريع، وتحدثت عن رحلات جوية لطائرات شحن إماراتية إلى مطار أم جرس في شرق تشاد، تحت غطاء المساعدات الإنسانية، قبل انتقال شحنات إلى الأراضي السودانية.

وبحسب المادة نفسها، نُقلت أسلحة وذخائر من أم جرس براً إلى دارفور، ولا سيما إلى قاعدة الزرق في شمال دارفور، ومنها إلى جبهات أخرى.

وتضيف المجلة أن بقايا طائرات مسيّرة وصواريخ حرارية وذخائر صينية وإماراتية الصنع عُثر عليها في ساحات القتال، إلى جانب استخدام قوات الدعم السريع آليات مدرعة إماراتية الصنع من طراز NIMR Ajban. كما تشير إلى تقارير عن العثور على جوازات إماراتية مرتبطة بأفراد استخبارات إماراتيين بين حطام آليات عسكرية في أم درمان.

لكن هذه النقطة تحتاج إلى صياغة دقيقة صحافياً: وجود هذه المعطيات في تقارير وتحقيقات لا يعني تلقائياً إثبات مسؤولية الدولة الإماراتية عن كل شحنة أو كل عملية عسكرية لقوات الدعم السريع.ولذلك فإن النسبة يجب أن تبقى مرتبطة بالمصادر التي أوردتها.

العفو الدولية: أسلحة صينية وصلت إلى قوات الدعم السريع عبر الإمارات

وتتجاوز الأدلة التي تناولها التحقيق حدود الرواية الصحافية.

ففي أيار 2025، نشرت منظمة العفو الدولية تحقيقاً قالت فيه إنها تعرّفت إلى قنابل صينية موجهة من طراز GB50A ومدافع هاوتزر AH-4 عيار 155 ملم، مستخدمة في السودان، وخلصت إلى أن الأسلحة كانت على الأرجح الشديد قد أُعيد تصديرها من الإمارات إلى السودان.

وقالت المنظمة إن القنابل التي عُثر على بقاياها صُنّعت عام 2024، وإنها ظهرت في شمال دارفور، في حين تم توثيق مدافع AH-4 في الخرطوم. واعتبرت العفو الدولية أن هذه المعطيات تعزز الأدلة على وجود دعم إماراتي لقوات الدعم السريع وانتهاك حظر الأسلحة المفروض على دارفور. (Amnesty International)

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأن الحديث لا يتعلق بمجرد أسلحة فردية، بل بمنظومات تسليح متقدمة، بينها طائرات مسيّرة وقنابل موجهة ومدفعية بعيدة المدى.

المرتزقة الكولومبيون: الحلقة الأكثر حساسية

إذا كان السلاح يمثل إحدى حلقات الدعم، فإن المقاتلين الأجانب يمثلون حلقة أخرى أكثر خطورة.

ففي تقرير موسع صدر في أيار 2026، قالت Human Rights Watch إن شركة أمن مقرها أبو ظبي، هي Global Security Services Group – GSSG، شاركت، وفق الأدلة التي جمعتها المنظمة، في تجنيد مقاتلين كولومبيين خاصين أُرسلوا إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.

ووفق التقرير، كان بعض هؤلاء المقاتلين قد مرّ عبر منشآت عسكرية إماراتية قبل انتقالهم إلى السودان، كما وثّقت المنظمة وجودهم في الفاشر خلال الفترة التي سيطرت فيها قوات الدعم السريع على المدينة. (Human Rights Watch)

والأكثر أهمية أن Human Rights Watch لم تعتمد فقط على رواية واحدة، بل قالت إن تحقيقها استند إلى مقابلات مع مقاتلين كولومبيين، ومصادر مطلعة، وسكان من الفاشر، ووثائق تجارية وحكومية، إضافة إلى تحليل صور وفيديوهات وتحديد مواقعها جغرافياً.

وبحسب المنظمة، كان ما لا يقل عن 300 مقاتل كولومبي قد وصلوا إلى السودان في وقت مبكر من آب 2024، بينما أشارت تقديرات لاحقة إلى أعداد أكبر بكثير. (Human Rights Watch)

هذه المعطيات تطرح سؤالاً بالغ الخطورة:

إذا كانت شبكات التجنيد والتدريب والنقل قادرة على عبور أربع دول، فهل ما يجري في السودان لا يزال حرباً أهلية بالمعنى التقليدي؟

تشاد… الممر الذي يربط الخارج بدارفور

في الجغرافيا السياسية للحرب، تبدو الحدود السودانية–التشادية أكثر من مجرد خط فاصل بين دولتين.

وتشير المواد التي تناولتها The Brown Land إلى استخدام مطارات وممرات تشادية في عمليات نقل الإمدادات إلى قوات الدعم السريع، مع التركيز بصورة خاصة على أم جرس وأبشي ونجامينا، إضافة إلى معبر أدري الحدودي.

كما تشير المجلة إلى أن تقارير أممية تحدثت عن حركة جوية وبرية عبر الأراضي التشادية، فيما تنفي الإمارات الاتهامات المتعلقة بتقديم دعم لقوات الدعم السريع.

وتزداد أهمية هذه الحدود بسبب الروابط القبلية والاجتماعية العابرة لها، ما يجعل السيطرة على الممرات اللوجستية قضية أمنية تتجاوز السودان وتشاد إلى منطقة الساحل والقرن الأفريقي.

الذهب: كيف تتحول الثروة الطبيعية إلى وقود للحرب؟

السلاح يحتاج إلى المال، والحرب تحتاج إلى اقتصاد.

وهنا يظهر الذهب السوداني كأحد المفاتيح الأساسية لفهم استمرار النزاع.

وتشير المعلومات الواردة في الملف إلى أن السلطات الأميركية والأوروبية فرضت عقوبات على شبكات وشركات مقرها دبي، من بينها Al Junaid وAl Qatra، بدعوى ارتباطها بعمليات مالية مرتبطة بذهب تسيطر عليه قوات الدعم السريع وتمويل عمليات التسليح وجلب المقاتلين.


وفي هذا السياق، لا يعود السؤال فقط: من يرسل السلاح؟

بل يصبح:

من يدفع ثمنه؟ ومن يشتري الذهب؟ وكيف تنتقل عائداته إلى شبكات قادرة على تمويل حرب طويلة؟

وهذه إحدى أكثر الحلقات التي تحتاج إلى تتبع مالي مستقل، لأن تحديد العلاقة بين تجارة الذهب وتمويل العمليات العسكرية يتطلب مطابقة سجلات الشركات والتحويلات والعقوبات وبيانات التجارة، وليس الاكتفاء بالاتهامات السياسية.

بريطانيا والعقوبات: هل أصبحت المعلومات الاستخبارية جزءاً من المعركة؟

الجزء الأكثر إثارة للجدل في تحقيق The Brown Landيتعلق بالعقوبات البريطانية المفروضة على سودانيين، ولا سيما أحمد عبد الله، الذي تذكر المجلة أن اسمه الحقيقي هو عبد الله خلف الله أبشنغر.

وتقول المجلة إن الحكومة البريطانية اعتمدت في جزء من قراراتها على معلومات قدمتها شركات متخصصة في تحليل المخاطر والبيانات، من بينها Kharon وSayari.

وهنا تطرح المجلة فرضية شديدة الحساسية: هل وصلت معلومات غير دقيقة إلى مؤسسات القرار البريطانية، وهل أثرت تلك المعلومات في قرارات العقوبات؟

أحمد عبد الله… عندما تصبح التفاصيل الصغيرة أساساً لعقوبة دولية

بحسب التحقيق المنشور في المجلة، نفت الشخصية السودانية المستهدفة بالعقوبات أن تكون قد عملت في جهاز الأمن والمخابرات السوداني أو في منظومة الصناعات الدفاعية.

كما قدمت رواية مخالفة لبعض المعلومات التي استندت إليها التقارير، ومنها أن بعض المعدات التي وُصفت بأنها ذات طبيعة عسكرية كانت، وفق روايته، أجهزة محاكاة قيادة، وأن بعض الهوائيات كانت مستوردة لمشاريع إعلام واتصالات، فيما كانت بعض البنادق التي وردت في الاتهامات بنادق صيد مرتبطة بمشروع سياحي.

أما النقطة الأكثر إثارة، فتتعلق بمعدات قالت المجلة إن أحد تقارير Kharon قدمها بوصفها معدات عسكرية متطورة، قبل أن تقول إن تحقيقها الميداني خلص إلى أنها محرِقات للنفايات الطبية موجودة في مستشفى أم درمان الرئيسي.

هذه الادعاءات لا تكفي وحدها لإثبات وجود تضليل متعمد.

لكنها تكفي لطرح سؤال صحافي مشروع:

ما هي آليات التدقيق التي تسبق فرض العقوبات عندما تعتمد الحكومات على قواعد بيانات وتقارير شركات استخبارية خاصة؟

بين العراق والسودان… مقارنة تحتاج إلى الحذر

تقارن The Brown Land بين ما تعتبره تسييساً للمعلومات الاستخبارية في ملف السودان، وما حدث قبل حرب العراق عام 2003، عندما استُخدمت معلومات استخبارية لتبرير امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، قبل أن يتبين لاحقاً عدم العثور على تلك الأسلحة.

المجلة ترى أن الدرس الأبرز من العراق هو خطورة تحويل المعلومات الاستخبارية إلى أداة تخدم قراراً سياسياً مسبقاً.

لكن من الناحية المهنية، يجب عدم اعتبار الحالتين متطابقتين.

فالعراق كان قراراً عسكرياً دولياً واسع النطاق، بينما يتعلق الملف السوداني بعقوبات وضغوط دبلوماسية وقيود على السلاح. المقارنة يمكن استخدامها كإطار تحليلي، لكنها ليست دليلاً بحد ذاتها على وجود تلاعب استخباري في السودان.

العقوبات وحظر السلاح… هل تعاقب الأدواتُ الطرفَ الخطأ؟

تطرح التحقيقات سؤالاً آخر يتعلق بحظر الأسلحة المفروض على دارفور، والدعوات إلى توسيعه ليشمل كامل الأراضي السودانية.

وتشير المواد المنشورة في The Brown Land إلى أن الولايات المتحدة طرحت توسيع الحظر ليشمل كامل السودان، بما في ذلك المسيّرات والتكنولوجيا العسكرية المرتبطة بها، بهدف تقليص تدفق السلاح ودفع طرفي النزاع نحو التفاوض.

لكن منتقدي المقاربة يرون أن الحظر المتساوي على الورق قد لا تكون نتائجه متساوية على الأرض، لأن الجيش السوداني مؤسسة عسكرية نظامية تعتمد بدرجة كبيرة على قنوات شراء رسمية، فيما تعتمد قوات الدعم السريع، وفق هذه القراءة، على شبكات غير رسمية وخارجية.

وهنا تظهر المفارقة:

إذا كان الحظر الموجود أصلاً في دارفور لم يمنع وصول الأسلحة، فهل توسيع الحظر جغرافياً سيحل المشكلة، أم أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم تطبيقه على شبكات التهريب والتمويل؟

وتشير منظمة العفو الدولية بالفعل إلى أن الأسلحة المتطورة استمرت في الوصول إلى السودان رغم وجود حظر قائم على دارفور. (Amnesty International)

المحكمة الدولية: اتهامات خطيرة… لكن المسار القانوني أكثر تعقيداً

بلغت الاتهامات الموجهة إلى الإمارات مستوى قضائياً دولياً عندما تقدمت السودان بدعوى أمام محكمة العدل الدولية بشأن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

لكن التطور القانوني الأساسي الذي يجب عدم إغفاله هو أن محكمة العدل الدولية أعلنت في 5 أيار 2025 رفض طلب السودان اتخاذ تدابير مؤقتة، وأمرت بشطب القضية من القائمة العامة بسبب غياب الاختصاص القضائي، وفق القرار المنشور على موقع المحكمة. (International Court of Justice)

وهذا التفصيل مهم جداً في أي معالجة صحافية احترافية، لأنه يعني أن وجود الدعوى لا يساوي حكماً قضائياً يثبت مسؤولية الإمارات عن الإبادة الجماعية.

في المقابل، يستند تحليل قانوني منشور في The Brown Land إلى مواد لجنة القانون الدولي وأحكام سابقة لمحكمة العدل الدولية، ويرى أن هناك أساساً نظرياً لدراسة مسؤولية دولة عن أفعال جماعة مسلحة في ظروف معينة، بما في ذلك مسألة تقديم الدعم العسكري.

لكن هذا يبقى تحليلاً قانونياً وليس حكماً قضائياً نهائياً.

المسيّرات في النيل الأزرق: جبهة جديدة أم إنذار مبكر؟

وفي تطور آخر تناولته المجلة، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية في 27 آب 2026 إسقاط مسيّرة استراتيجية معادية شمال منطقة سركم في ولاية النيل الأزرق، وقالت إن المسيّرة عبرت الحدود من اتجاه إثيوبيا.

وبحسب المادة، كانت تلك المسيّرة الثالثة التي يتم إسقاطها في المنطقة نفسها خلال أقل من أسبوع.

ولا يعني تحديد اتجاه عبور المسيّرة تحديد الجهة التي أطلقتها.

وهنا تكمن أهمية التحقيق المهني: الطريق الذي جاءت منه المسيّرة ليس بالضرورة هو الجهة التي شغّلتها.

فالحدود السودانية–الإثيوبية معقدة، وأي استنتاج بشأن مسؤولية دولة أو جهة مسلحة يحتاج إلى معلومات إضافية تتعلق بنوع المسيّرة، ومسارها، ونظام الاتصالات، ونقطة الإطلاق، والهدف، والجهة المشغّلة.

الحرب على المدنيين… عندما يصبح الغذاء سلاحاً

وراء كل هذه الشبكات العسكرية والمالية، تبقى النتيجة الأكثر قسوة: المدني السوداني.

تشير المواد الواردة في المجلة إلى تدمير منشآت زراعية ومخازن وصوامع، ونهب المحاصيل وتعطيل الطرق التي تربط مناطق الإنتاج بالأسواق، ما أدى إلى إضعاف منظومة الغذاء.

وتصف المجلة الحرب بأنها تجاوزت المواجهة العسكرية إلى استهداف مقومات الحياة نفسها: الأرض، والزراعة، والغذاء، والأسواق، والمياه وطرق النقل.

وتدعم تقارير حقوقية دولية الصورة العامة للأزمة الإنسانية والانتهاكات الواسعة، بما فيها ما وثقته Human Rights Watch في الفاشر، حيث تحدثت عن عمليات قتل واغتصاب وانتهاكات بحق مدنيين خلال سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة. (Human Rights Watch)

وهنا تصبح معادلة الحرب أكثر وضوحاً:

السلاح يقتل، والتهجير يفرغ الأرض، والنهب يدمر الاقتصاد، والحصار يقطع الغذاء، والذهب يمول الاستمرار.

ماذا تقول الأدلة مجتمعة؟

عند وضع المعطيات جنباً إلى جنب، تظهر أربع حلقات رئيسية:

أولاً – السلاح:
أسلحة صينية متطورة ومسيّرات ومعدات عسكرية ظهرت في أيدي أطراف النزاع، فيما قالت منظمة العفو الدولية إن أسلحة صينية معينة وصلت إلى قوات الدعم السريع على الأرجح عبر الإمارات. (Amnesty International)

ثانياً – المقاتلون الأجانب:
Human Rights Watch وثقت مسار تجنيد ونقل مقاتلين كولومبيين إلى السودان، وربطت العملية بشركة مقرها أبو ظبي، مع مرور بعض المقاتلين عبر منشآت إماراتية. (Human Rights Watch)

ثالثاً – الممرات:
تقارير متعددة تناولت استخدام طرق جوية وبرية عبر تشاد، ولا سيما مطار أم جرس، في سياق عمليات نقل مرتبطة بالحرب.

رابعاً – المال:
تظهر تجارة الذهب والشركات والشبكات المالية كعنصر رئيسي في قدرة أطراف النزاع على الاستمرار، فيما فرضت الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات على جهات وشبكات مرتبطة بتمويل الحرب.

لكن ماذا عن الإمارات؟

هنا يجب أن يكون الخط الفاصل واضحاً.

هناك كم متزايد من التقارير والتحقيقات الدولية التي تربط الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، بينها تحقيقات لمنظمة العفو الدولية وHuman Rights Watch، إضافة إلى ما أوردته مصادر أخرى.

لكن الإمارات تنفي تقديم أي دعم عسكري لأي من طرفي النزاع. وقد نقلت Human Rights Watch عن الإمارات رفضها لهذه الاتهامات، مؤكدة أنها تدعم وقف إطلاق النار وحماية المدنيين والمساءلة. (Human Rights Watch)

لذلك، فإن الصياغة الصحافية الأكثر دقة ليست أن “الإمارات ثبت أنها تدير الحرب”، بل:

“تواجه الإمارات اتهامات متزايدة، مدعومة بسلسلة من التحقيقات والوثائق والأدلة المفتوحة، بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع، فيما تنفي أبو ظبي هذه الاتهامات.”

وهذه الصياغة تحمي التحقيق من التحول إلى بيان سياسي، وتبقيه ضمن قواعد الصحافة الاستقصائية.

الخلاصة: من يملك القدرة على إطالة الحرب؟

الحرب السودانية لم تعد مجرد معركة بين بندقية وبندقية.

إنها منظومة متشابكة من:

مقاتل على الأرض،
وسلاح يعبر الحدود،
وطائرة تحمل الشحنات،
وشركة توظف المقاتلين،
وشبكة مالية تتعامل بالذهب،
ومطار يتحول إلى نقطة عبور،
وحكومة تتخذ قراراً بالعقوبات،
وشركة خاصة تقدم معلومات استخبارية،
ومجلس أمن يناقش حظر السلاح،
ومدني يدفع الثمن.

وإذا كانت الأدلة الدولية المتراكمة تؤكد شيئاً، فهو أن إنهاء الحرب لا يمكن أن يعتمد على مطالبة السودانيين وحدهم بوقف القتال، بينما تبقى قنوات التمويل والتسليح والتجنيد الخارجية مفتوحة.

وفي المقابل، فإن تحميل دولة أو جهة بعينها المسؤولية النهائية عن الحرب يحتاج إلى أدلة قضائية وسيادية أكثر تحديداً من مجرد تجميع الاتهامات.

السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه في نهاية هذا التحقيق ليس فقط:

من يقاتل في السودان؟

بل:

من يموّل؟ من يسلّح؟ من ينقل؟ من يجند؟ ومن يملك القدرة على إغلاق هذه الشبكات؟

فإذا أُغلقت الحدود أمام السلاح، وجُففت منابع التمويل، وأوقفت شبكات تجنيد المقاتلين الأجانب، وطبّق حظر الأسلحة بصورة متساوية وشفافة، يصبح وقف الحرب أقرب إلى الواقع.

أما إذا بقيت هذه الشبكات تعمل، فإن أي هدنة قد لا تكون سوى استراحة مؤقتة تتيح للأطراف إعادة تنظيم صفوفها والعودة إلى القتال.

وفي النهاية، يبقى المدني السوداني هو الخاسر الأكبر؛ لا في معركة سياسية فحسب، بل في حرب تستنزف الدولة والمجتمع والغذاء والأرض، وتحوّل الحدود والثروات والأسواق إلى أدوات لاستمرار النزاع.

مصادر التحقيق

  • The Brown Land – August 2026، وهو الملف الأساسي الذي استند إليه هذا التحقيق، ويتضمن تحقيقات ومقالات حول السودان والإمارات وتشاد والعقوبات والمسيّرات.
  • منظمة العفو الدولية – Amnesty International: تحقيق الأسلحة الصينية المتطورة التي قالت المنظمة إنها وصلت إلى السودان على الأرجح عبر الإمارات. (Amnesty International)
  • Human Rights Watch: تحقيق حول المقاتلين الكولومبيين ودور شركة مقرها أبو ظبي في تجنيدهم ونقلهم إلى السودان. (Human Rights Watch)
  • محكمة العدل الدولية – ICJ: ملف قضية السودان ضد الإمارات والتطور القضائي الصادر في 5 أيار 2025. (International Court of Justice)
  • Reuters: تغطية حديثة للتقرير الأممي حول الدعم الخارجي والطائرات المسيّرة واستمرار الحرب في السودان. (Reuters)
- إعلان -
- إعلان -
- إعلانات -
- إعلانات -

الأكثر قراءة

- إعلانات -
- إعلانات -
- إعلان -
- إعلان -