أبرز العناوينشربل عرّف العالم إلى لبنان ...لو يتعلم منه القادة القليل!

شربل عرّف العالم إلى لبنان …لو يتعلم منه القادة القليل!

إليسا الهاشم

قد يبدو هذا المقال غريباً عمّا اعتدتم أن تقرأوه لي. لا حزب الله فيه، ولا عقوبات، ولا أطر تفاوض. لكن الليلة يُعرض الفيلم الذي طال انتظاره عن القديس شربل، ولم أجد نفسي قادرة على كتابة شيء آخر. التاريخ لم يأتِ صدفة: اليوم التاسع من اكتوبر هو ذكرى إعلانه قديساً عام 1977.

راهب من بقاعكفرا، قضى سنواته الأخيرة ناسكاً في صومعة، لم يترك كتباً ولا خطباً ولا مقابلات. كان أكثر الرهبان صمتاً. ومع ذلك، بعد أكثر من قرن وربع على رحيله، لا يزال الأكثر حضوراً في كل مكان، حتى في بيوت تبعد عنا آلاف الأميال، تعلّق صورته وتُضاء له الشموع، يعرف أصحابها اسم شربل قبل أن يعرفوا أين يقع لبنان على الخريطة.
أنا التي أراقب لبنان من بعيد منذ سنوات طويلة، كثيراً ما فكرت في هذا. رجل واحد، بلا سلطة ولا منصب ولا ألقاب، حمل اسم لبنان إلى القارات كلها وقدّمه للعالم كما يجب أن يُرى: بلد الانسان يشفي ويحتضن ويمنح الأمل. لم يفعل ذلك بالكلام، بل بالافعال، بما يجري عند قبره في عنايا. آلاف الناس شفوا أو ارتاحوا أو استعادوا الأمل، لانهم آمنوا بشفاعته سواء في لبنان او خارجه.
شربل لم يسأل عن دين أو جنسية أو عمر.
وفي المقابل، رسم قادتنا عبر التاريخ صورة أخرى تماماً: بلد حروب لا تنتهي، وعدم استقرار، وفساد، وغياب قيادة.
شربل عرّف العالم إلى لبنان بأجمل ما فيه، وعرّفه ساستنا بأسوأ ما فيه.
ما يجب أن يعنيه لبنان؟ أن نظهر نورنا وتنوعنا وانفتاحنا على الآخرين في محيطنا. ولبنان فعل ذلك فوق ما يحتمل ولكن ليس بالطرق الصحيحة. احتضن من اللاجئين ما يفوق طاقة بلد بحجمه، ثم استباحت أرضه جيوش غريبة وميليشيات ومرتزقة. وهو اليوم يُجرح على يد الغريب وعلى يد أبنائه معاً. قيل لنا طويلاً إن لبنان بلد الرسالة. لكن أي رسالة يبعثُ اليوم؟ بلد قاصر، لا يقدر على اتخاذ قرار، وينتظر دائماً وصياً يقرر عنه. أما شربل فكان هذه الرسالة نفسها، مشت على قدمين وتنقلت بين القارات حين عجزنا نحن عن حملها.
وانظروا إلى صمته. تروي سيرته أن رفاقه الرهبان ملأوا قنديله ذات ليلة بالماء بدل الزيت، فاشتعل. لم يشرح ولم يتباهَ ولم يعقد مؤتمراً صحافياً. ظل يعمل بهدوء.
هذا ما أقصده حين أقول إن شربل لا يتكلم، لكنه يفعل، وما زال يفعل.
يُنسب إليه قول بسيط: طريق السماء إلى فوق، فلا تنظر إلى تحت، ولا تثقّل نفسك بالسلاسل. أقرأ هذه العبارة بعيون لبنانية. طريق لبنان أن يؤمن قادته ببلدهم وأن يتصرفوا بمسؤولية، وأن يرفعوا رؤوسهم ويروا النور، وأن يتوقفوا عن إثقال الناس وأنفسهم بسلاسل جديدة كل يوم. سلاسل التبعية للقوى الإقليمية، وسلاسل الخضوع لقرارات تُتخذ في عواصم أخرى، وسلاسل العجز عن اتخاذ أي قرار سيادي ينقذ البلد.
فمن يمشي مقيداً لا يصعد.
ولبنان اليوم يحتاج إلى معجزة. معجزة تنقذ فرصته الأخيرة، وتنهي “الحروب”، وتمنحنا أخيراً سلاماً نعيش فيه.
لكن لا تقودوا لبنان إلى حافة الانتحار ثم تركضوا إلى عنايا لتطلبوا من القديس أن ينقذه. وأقولها بصراحة: لسنا نحن الشعب بريئين تماماً. نحن من أوصل هؤلاء إلى مواقعهم، ومن صوّت مراراً للوجوه الفاسدة والعقول العقيمة  نفسها وأعادها إلى الحكم دورة بعد دورة.
تعلّموا من شربل تواضعه وحكمته وصمته. تعلّموا أن الذي يعالج الناس هو الفعل لا الكلام. وربما على قادتنا أن يساعدوا شربل في صنع هذه المعجزة، فلا نستطيع أن ننتظر دائماً أن يقوم الآخرون بالعمل عنا، لا من السماء ولا من الأرض.
وتحية للمبدع نديم مهنا ولـMTV اللذين جعلا هذا الفيلم الاستثنائي يتحقق.
حين تخفت أضواء القاعة ويبدأ العرض، سيجلسون أمام عمل سيسافر في العالم كما سافر شربل نفسه، وسيحمل اسم لبنان إلى بلدان لم تسمع به إلا من خلاله. هذا ما نريد أن يراه الجميع عن لبنان: بلد يملك الموهبة والعقل والشباب والإمكانات والوعد، وكل ما ينقصه إرادة وقرار.

الليلة، في العرض الأول، سيحضر كثيرون من السياسيين وأصحاب القرار في لبنان، وهذا امرٌ جيد. استمتعوا بالعرض، لكني أتمنى أن تتعلموا شيئاً مما سترونه وأن يخرج واحد منكم على الأقل من القاعة وقد قرر أن يتكلم أقل، وأن يفعل أكثر.
هذه رسالتي.

- إعلان -
- إعلان -
- إعلانات -
- إعلانات -

الأكثر قراءة

- إعلانات -
- إعلانات -
- إعلان -
- إعلان -