لطالما اعتاد اللبنانيون سماع الشكاوى من التدخل السياسي في القضاء، والضغوط التي قد يمارسها سياسيون أو أصحاب نفوذ على قضاة ومحاكم، لكن ماذا لو كانت علامات الاستفهام هذه المرة تتصل بعلاقات داخل الجسم القضائي نفسه؟ وماذا لو تزامنت صلات شخصية وزمالة مهنية مع وقائع إجرائية وتوقيتات تستوجب التحقق والتدقيق من الجهات الرقابية المختصة؟
بحسب مصادر خاصة بموقع «قضاء جبيل»، تبرز في أحد الملفات الجزائية في جبل لبنان مجموعة من الوقائع والتساؤلات التي تستدعي، في حال ثبوتها، تحقيقًا جديًا من التفتيش القضائي والجهات الأمنية المعنية، بعيدًا من إصدار أحكام مسبقة أو افتراض مسؤولية أي طرف قبل استكمال التحقيق.
تبدأ القضية مع تقدّم أحد المدعين، وهو زوج شقيقة إحدى القاضيات، بشكوى جزائية في جبل لبنان ضد أحد الأشخاص، قبل إحالة الملف إلى إحدى قاضيات التحقيق.
وبحسب المعلومات المتوافرة، تربط قاضية التحقيق صداقة قديمة بالقاضية شقيقة زوجة المدعي، كما تعمل القاضيتان في المركز القضائي ذاته وفي قصر العدل نفسه.
ولا تشكّل الصداقة أو الزمالة المهنية، بحدّ ذاتهما، دليلًا على حصول تدخل أو تأثير في مسار الملف، إلا أن تزامنهما مع وجود صلة قرابة بين المدعي وإحدى القاضيات، وتولّي قاضية تربطها بها علاقة صداقة التحقيق في الدعوى، يطرح تساؤلات بشأن وجوب التحقق من احترام مقتضيات الحياد والتحفظ وتجنّب أي تضارب محتمل في المصالح.
ومن أبرز النقاط التي تستدعي التوضيح، وفق المصادر نفسها، ما يتعلق بوجود المرافق الأمني للقاضية شقيقة زوجة المدعي أثناء توقيف المدعى عليه.
وتشير المعلومات إلى أن العنصر الأمني كان حاضرًا في مكان التوقيف، ويقوم بتصوير ما يجري وإرسال صور ومقاطع فيديو إلى جهة أو شخص لم تُحدّد هويته بعد، وهي معطيات يمكن التحقق منها، في حال توافرها، من خلال كاميرات المراقبة والوسائل التقنية المتاحة.
وهنا تبرز أسئلة أساسية: ما الذي كان يفعله العنصر الأمني في مكان التوقيف؟ ومن طلب منه الحضور؟ وهل كان وجوده مرتبطًا بمهمة رسمية محددة؟ ولمن كان يرسل الصور ومقاطع الفيديو؟ وهل حصل أي تنسيق مع جهة أمنية أو قضائية بشأن المدعى عليه؟
كما يقتضي الأمر التحقق مما إذا كان وجود العنصر الأمني وتصويره ما يجري يدخلان ضمن نطاق تكليفه الرسمي، أم أن ثمة مهمة أخرى تستوجب المساءلة.
وبالتالي، فإن مسؤولية توضيح هذه الوقائع لا تقع على الجهات القضائية وحدها، بل تشمل أيضًا الجهاز الأمني الذي يتبع له العنصر المعني، بما يتيح استدعاءه والاستماع إلى إفادته وتحديد طبيعة المهمة التي كان ينفذها، والجهة التي كلّفته بها، والوجهة التي أرسل إليها المواد المصوّرة، إن ثبت ذلك.
أما الجانب الآخر من القضية، فيتصل بالتسلسل الزمني للإجراءات القضائية،فبحسب المعطيات المتوافرة، كان التحقيق في الملف قد اختُتم منذ نحو ثلاثة أشهر، وأُحيل إلى النيابة العامة التي أنجزت مطالعتها وأعادت الملف خلال مهلة لم تتجاوز نحو أسبوع، ليصبح جاهزًا لإصدار القرار الظني.
وعلى الرغم من ذلك، بقي الملف، وفق المعلومات نفسها، من دون قرار طوال تلك الفترة.
لكن التطور اللافت تمثّل في صدور القرار الظني في اليوم التالي مباشرة لتوقيف المدعى عليه، مع الإشارة إلى أن محضر التوقيف لم يكن قد وصل بعد، في ذلك الوقت، إلى قلم قاضية التحقيق، بحسب المعطيات المتداولة.
وتضيف المصادر الخاصة بموقع «قضاء جبيل» أن القاضية المعنية لم تصدر خلال الأشهر الثلاثة الماضية، قرارات في ملفات تخصّ غير الموقوفين إلا في عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وهي معلومة تستدعي التدقيق في سجل القرارات والتسلسل الزمني للملفات، لتحديد ما إذا كان هذا الملف قد حظي بمعاملة مختلفة عن الملفات الأخرى، وما إذا كانت هناك أسباب إجرائية تفسّر ذلك.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز أسئلة تستوجب الإجابة عنها من خلال تحقيق رسمي: كيف علمت قاضية التحقيق بحصول التوقيف قبل وصول المحضر رسميًا إلى قلمها؟ ومن أبلغها؟ وما الذي استجدّ حتى صدر القرار في اليوم التالي، بعدما بقي الملف من دون قرار قرابة ثلاثة أشهر؟
كما يقتضي التحقق مما إذا كان قد حصل أي تواصل بين القاضيتين بشأن الملف أو توقيف المدعى عليه، وما إذا كانت هناك صلة بين المعلومات التي وصلت إلى قاضية التحقيق ووجود المرافق الأمني في مكان التوقيف، إذا ثبتت الوقائع المشار إليها.
تزداد أهمية التدقيق في التوقيت عند وضع هذه التطورات في سياقها الزمني، إذ تشير المعطيات المطروحة إلى حصولها قبل أيام قليلة من الموعد المرتقب لنفاذ قانون العفو العام.
وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري التحقق من الأثر القانوني الذي قد يترتب على نفاذ القانون بحسب نطاقه وأحكامه ومرحلة الدعوى الجزائية، وما إذا كان توقيت إصدار القرار الظني قد أثّر في الوضع القانوني للملف أو في الخيارات الإجرائية المتاحة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا بقي الملف من دون قرار طوال نحو ثلاثة أشهر، بعدما انتهى التحقيق وأُنجزت مطالعة النيابة العامة، ثم صدر القرار في اليوم التالي مباشرة لتوقيف المدعى عليه، وقبل أيام قليلة من الموعد المرتقب لنفاذ قانون العفو العام؟
وهل كانت هناك أسباب قضائية أو إجرائية واضحة تفسّر هذا التوقيت؟ وهل كان لقرب نفاذ القانون أي دور في استعجال إصدار القرار وإحالة الملف إلى القاضي المنفرد الجزائي؟
هذه الأسئلة لا تعني افتراض وجود علاقة سببية بين التوقيتين، لكنها تفرض التحقق من الوقائع والقرارات ذات الصلة، بدل الاكتفاء بالتكهنات أو الاستنتاجات غير المثبتة.
عند جمع المعطيات الواردة في القضية، تبرز مجموعة من النقاط التي تستحق التحقق:
- صلة القرابة بين المدعي وإحدى القاضيات.
- الصداقة القديمة بين القاضيتين وعملهما في المركز القضائي ذاته.
- اختتام التحقيق وإنجاز مطالعة النيابة العامة قبل نحو ثلاثة أشهر.
- بقاء الملف من دون قرار طوال تلك الفترة.
- وجود المرافق الأمني للقاضية شقيقة زوجة المدعي أثناء توقيف المدعى عليه، وفق المعلومات المتوافرة.
- ما يُقال عن قيام العنصر الأمني بالتصوير وإرسال المواد المصوّرة إلى جهة غير محدّدة.
- صدور القرار الظني في اليوم التالي للتوقيف، قبل وصول محضر التوقيف رسميًا إلى القلم، بحسب المعطيات المطروحة.
- حصول هذه التطورات قبل أيام قليلة من الموعد المرتقب لنفاذ قانون العفو العام.
- محدودية عدد القرارات التي أصدرتها القاضية المعنية خلال الأشهر الثلاثة الماضية في ملفات غير الموقوفين، وفق المصادر الخاصة بموقع «قضاء جبيل».
وقد يكون لكل واقعة من هذه الوقائع تفسير قانوني أو إجرائي مشروع. لكن تزامنها في ملف واحد يجعل التحقق منها ضرورة، خصوصًا أن جزءًا أساسيًا منها يمكن حسمه بالعودة إلى المستندات الرسمية وسجلات القلم ومحاضر التوقيف وكاميرات المراقبة، والاستماع إلى الأشخاص المعنيين.
في ضوء ذلك، تتجه الأنظار إلى التفتيش القضائي، بوصفه الجهة المعنية بالتحقق من أي مخالفات مسلكية أو تجاوزات تدخل ضمن صلاحياته، واتخاذ الإجراءات المناسبة وفق الأصول القانونية.
فالمطلوب ليس إدانة أي قاضٍ أو عنصر أمني مسبقًا، ولا تبنّي رواية طرف على حساب آخر، بل فتح تحقيق جدي ومستقل يحدّد حقيقة ما حصل، ويضع الوقائع في تسلسلها الصحيح، ويبيّن ما إذا كانت الإجراءات قد اتُّخذت وفق الأصول القانونية.
ويشمل ذلك التحقق من تاريخ اختتام التحقيق، وتاريخ ورود مطالعة النيابة العامة، وتاريخ إصدار القرار الظني، وموعد وصول محضر التوقيف إلى قلم قاضية التحقيق، فضلًا عن التحقق من طبيعة مهمة المرافق الأمني وسبب وجوده في مكان التوقيف والجهة التي كان يتواصل معها، إن ثبتت هذه الوقائع.
كما يقتضي التحقيق التأكد مما إذا كان قد حصل أي تواصل بين القاضيتين بشأن الملف، وما إذا كان توقيت إصدار القرار قد ارتبط بأي اعتبارات خارج إطار الأصول القضائية.
فإذا أظهر التحقيق أن الوقائع المتداولة لا تتجاوز مصادفات أو إجراءات لها تفسيرات قانونية واضحة، وجب إعلان الحقيقة ووضع حدّ للتأويلات. أما إذا تبيّن وجود مخالفات أو تدخلات أو استعمال للوظيفة خارج الأطر القانونية، فيجب اتخاذ الإجراءات اللازمة ومحاسبة المسؤولين، أيًا كانت مواقعهم أو علاقاتهم.
هل سيتحرّك التفتيش القضائي للتحقق من هذه المعطيات؟ وهل ستُستدعى الجهات المعنية لتوضيح دورها في الوقائع المطروحة؟ وهل ستُراجع المستندات والتواريخ والسجلات الرسمية لتحديد أسباب تأخر القرار ثم صدوره في اليوم التالي للتوقيف؟
إن القضية، وفق ما تطرحه المصادر الخاصة بموقع «قضاء جبيل»، لا تتطلب أحكامًا مسبقة، بل إجابات موثّقة تستند إلى التحقيق والأدلة.
فالثقة بالقضاء لا تُصان بتجاهل علامات الاستفهام، ولا بإطلاق الاتهامات من دون إثبات، بل بضمان الشفافية والمساءلة وتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.
ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت هذه الوقائع قابلة للتحقق من خلال المستندات والمحاضر وكاميرات المراقبة والاستماع إلى المعنيين، فما الذي يمنع إجراء التحقيق اللازم لكشف الحقيقة؟
وبعد سنوات من الشكوى من التدخل السياسي في القضاء، تبرز اليوم أسئلة أكثر حساسية حول احتمال تأثير العلاقات داخل الجسم القضائي في مسار بعض الملفات، وهي أسئلة لا يجوز أن تبقى معلّقة إذا كانت الوقائع تسمح بحسمها.
فما أحلى أن يكون القضاء بمنأى عن كل تدخل، سياسيًا كان أم قضائيًا، وأن تكون المساءلة فيه قاعدة لا استثناء.






