في حين يعد شطب الإشارة إلى الطائفة على إخراج القيد في لبنان حقاً يكفله الدستور، إلا أن التعاطي الاجتماعي معه لا يزال يشوبه كثير من الاستغراب والاستنكار، ولا توجد إلا قلة استطاعت التعبير عن حريتها هذه، فشطبت المذهب عن قناعة، واضطر بعضها إلى إعادته عن ضرورة وعدم قناعة. فكان الخروج يسيراً والعودة أو ما سمي التصحيح أصعب ويتطلب إعادة دخول إلى الطائفة بإجراءات دينية وقانونية.
أب مسلم وأم مسيحية وكثير من الحب والاحترام المتبادل، وكثير من الأعياد والأفراح وكلها تخصنا، فليس غريباً على من نشأ في عائلة كهذه أن ينظر إلى الناس على الدرجة نفسها من القرب. لقد كان لنا الحظ، إخوتي وأنا، أن ينتمي أقاربنا إلى طوائف مختلفة، لذلك لم تكن الطائفة يوماً مفتاحاً لفهم أحد، ولا سؤالاً نحتاج إلى طرحه، لم يكن ضمن اهتمامنا أن نسلسل الشخص أمامنا لنعرف طريقته في تواصله مع الخالق، أو عدم تواصله، يكفي أن يكون إنساناً محترماً.
كل الأسئلة هدفها معرفة الطائفة
لكن لبنان لا يشبه دائماً تلك المساحة الصغيرة التي عرفتها داخل عائلتي وبعض العائلات اللبنانية المختلطة أو العلمانية. هنا يمكن أن يأتي السؤال عن الطائفة صريحاً، وقد يتأنق بأسئلة على شاكلة من أي منطقة أنت؟ ما اسم العائلة؟ وسواها من الأسئلة التي تبدو اجتماعية وعابرة، لكن الطريق منها يقود غالباً إلى الجواب نفسه. حتى يبدو أن التعارف يحتاج أحياناً إلى مسح طائفي صغير قبل أن يبدأ.
وفي بلد قُتل فيه أناس على الهوية، يصعب اعتبار الأمر فضولاً بريئاً دائماً. الاسم والمنطقة واللكنة كانت في مراحل من تاريخنا علامات يمكن أن تتحول في لحظة خوف إلى حكم. وما يحمله اللبناني في جيبه ليعرّف عنه، كان قادراً أحياناً على أن يدينه بشيء لم يختره أصلاً، وقد يودي بحياته.
وهكذا يبدو السؤال عن شطب الإشارة الطائفية أكبر من خانة في إخراج القيد. فماذا يعني أن يحاول مواطن الخروج من تصنيف لم يختره، في بلد لا يزال كثر فيه يقرأون الناس من خلاله؟
دولة لا دين لها، ولها 18 طائفة
كان يفترَض ربما أن يكون الإقبال على خطوة شطب إشارة الطائفة أكبر في بلد مثل لبنان. الطائفة هذه الصفة التي لم يخترها الطفل عند ولادته، وتدخل معه إلى سجلات الدولة قبل أن يعرف معنى الدين أو المذهب. وما يفسر استمرارها ليس طبيعة دينية للدولة، فلبنان ليس دولة تتبع ديناً، لكن نظام الأحوال الشخصية تمسك فيه المؤسسات الدينية، فتتولى جوانب شديدة الحساسية من حياة الناس من الزواج إلى الطلاق والحضانة والإرث… حيث يصبح الانتماء الطائفي بوابة إلزامية إلى الحقوق، وتتراجع المواطنة بوصفها علاقة مباشرة بين الفرد والدولة، كأن اللبناني لا يُعترف به مواطناً إلا إذا أظهر ما يثبت موقعه بين الطوائف الـ18 المعترف بها في الدولة.
واللافت وفي مراحل إعداد هذا التحقيق، أن العثور على أشخاص خاضوا تجربة شطب إشارة المذهب ولم يترددوا في الحديث عنها لم يكن سهلاً. بعض من تواصلنا معهم رفضوا الظهور أو رواية ما حدث معهم. بعضهم لم يشأ إعادة فتح نقاشات عائلية واجتماعية قديمة، وآخرون فضّلوا أن تبقى التجربة خارج المجال العام.
فيلم “القيد الطائفي”
لم أكن أعرف، وأنا أتحدث في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية مع الدكتور روي جريجيري عن الطائفية، أن ذلك النقاش سيقودني بعد أشهر إلى هذا الموضوع. كنا نتساءل عن اللحظة التي قد يفكر فيها شخص بالتخلي عن الإشارة إلى قيده الطائفي، كي يُنظر إليه بوصفه مواطناً، في عيون الدولة كما في عيون من حوله.
وحين كُلّفت بالموضوع، كان روي أول من اتصلت به، إذ سبق أن حدثني عن أشخاص يعرفهم شطبوا الإشارة إلى طوائفهم عن القيد، فأخبرني هذه المرة عن الطالبة جوانا بوسليمان التي أنجزت فيلماً وثائقياً عن شطب إشارة المذهب من إخراج القيد اللبناني مشروعاً لتخرّجها وكان الدكتور روي مشرفاً وسمي الفيلم “القيد اللبناني”.
روي نفسه قد فكر في الخطوة، ولا يزال يتعامل معها بوصفها تعبيراً عن رفضه لتصنيف فرضته الدولة عليه من دون أن يختاره. ويضرب مثالاً بمكان قيده، فهو من بيروت في حياته الفعلية، فيما سجلاته مرتبطة بزحلة في البقاع التي لا تجمعه بها علاقة سكن أو حياة يومية. بالنسبة إليه الفكرة واحدة، مؤسسات الدولة صنفته، وهو لا يرى نفسه من خلال هذا التصنيف.
لكنه يعرف أيضاً أن إزالة الإشارة قد تحمل نتائج إدارية لا يحتاج إليها. لذلك بقي القرار عنده بين موقف مبدئي وحساب عملي. يريد ألا يصنَّف، لكنه لا يريد في الوقت نفسه أن يدخل في متاهة إدارية لأن الدولة لا تزال ترتّب شؤونها بالطريقة التي يرفضها.
وصلت إلى جوانا، ومن جوانا بدأ يتضح أن القصة لا تتوقف عند أشخاص شطبوا قيدهم، فهناك أيضاً من شطب ثم عاد، ومن أراد التحدث، ومن فضّل الصمت، ومن رأى في الخطوة فعلاً سياسياً، ومن اصطدم بها في وظيفة أو زواج أو ترشح أو عائلة.
الفيلم الذي غيّر صاحبته
اختارت جوانا بوسليمان شطب القيد الطائفي موضوعاً لفيلم تخرّجها في الصحافة والإعلام، لأن الفكرة التقت مع أسئلة كانت تشغلها من الإشارة الطائفية في السجل، ثم اتسعت الدائرة بسرعة إلى حرية المعتقد والمواطنة والأحوال الشخصية والزواج المدني والطائفية السياسية ونظام المحاصصة الذي يجعل الخروج من الطائفة أسهل نظرياً من خروج الطائفة من مؤسسات الدولة.
وكان من الأسئلة التي أرادت جوانا أن يطرحها الفيلم أيضاً، كيف يمكن لدستور يفتح الطريق أمام إلغاء الطائفية أن يتعايش مع ممارسة سياسية تعيد تثبيتها كل يوم. وعلى رغم أنها مناصرة للعلمانية والدولة المدنية على المستوى الشخصي، لكنها أرادت أن تتعامل مع الفيلم بتجرد كما تقول. ولم يكن هدفها حملة دعائية لشطب القيد، لذلك بحثت عن تجارب مختلفة، من أشخاص أصروا على الشطب على رغم ما واجهوه، وأشخاص أعادوا قيدهم إلى طوائفهم بعدما شعروا بأنهم يخسرون امتيازات أو فرصاً.
تقول إنها قبل التصوير كانت تعرف مسار القصص والأسئلة التي تريد طرحها. الوصول إلى أصحاب التجارب أخذ وقتاً، وتواصلت مع عدد أكبر ممن ظهروا في الفيلم، لكن بعضهم رفض التصوير تماماً. كانوا قد دفعوا، كما أخبروها، أثماناً عائلية واجتماعية بعد شطب القيد، ولا يريدون جولة جديدة من الضغوط لمجرد أنهم تحدثوا عنه أمام الكاميرا.
حذف الإشارة من السجل لا يكفي
دخلت جوانا المشروع بتفاؤل أكبر مما خرجت به. كانت تتوقع أن تكون خطوة شطب القيد أداة فعالة قد تقرّب المجتمع من الدولة العلمانية. لكن البحث والتجارب التي سمعتها جعلا الصورة أكثر تعقيداً. واكتشفت أن الطائفية لا تعيش في الدستور والمؤسسات وحدها، فهي تعيش أيضاً في التربية والعائلة ونظرة الجماعة إلى نفسها وإلى الآخرين. لذلك وصلت إلى قناعة بأن حذف الإشارة من السجل لا يكفي إذا بقيت تعمل في الرأس.
استحضرت جوانا في فيلمها تجربة ماري جو أبي ناصيف وعبدالله سلام اللذين قالت إنهما تزوجا مدنياً في لبنان، وعقد زواجهما كان لا يزال ينتظر التسجيل منذ عام 2019. وبحسب ما تعرفه لم يكن العقد قد سُجل حتى أواخر العام 2026 الحالي، على رغم أن والد عبدالله، نواف سلام، أصبح رئيساً للحكومة اللبنانية.
وبعد إنجاز الفيلم، شطبت جوانا قيدها الطائفي هي أيضاً. وتقول إن كثراً لا يجدون أنفسهم في التركيبة اللبنانية، والتغيير لا يحدث إذا بقي الجميع ينتظرون أن يقوم به شخص آخر، وتضيف “لا يحصل التغيير الفعلي من دون أفراد قرروا أن يناضلوا، وكانوا مستعدين أن يخسروا ويضحوا ليصلوا إلى هدفهم”.
وترى جوانا أن أفلاماً كهذه قادرة على تخفيف الخوف المتبادل والأفكار المغلوطة التي تجعل اللبناني يتمسك بطائفته أحياناً دفاعاً عن نفسه من طائفة أخرى قيل له أن يخشاها. فهذا الخوف برأيها ليس تفصيلاً ثقافياً، إذ إنه أحد الشروط التي تسمح للنظام الطائفي بأن يعيد إنتاج نفسه.

إخراج قيد وسام الوثيقة التي أشعرته بالحرية لفترة (اندبندنت عربية)
شطب الإشارة أولاً
تحمل قصة وسام حيدر مساراً مختلفاً. ولد لأب شيعي وأم سنية، ونشأ في تربية دينية أقرب إلى السنّة لأن والده كان يعمل في إحدى الدول العربية. لم يكن يعرف في طفولته الفروق المذهبية داخل الإسلام. ثم عاش في منطقة مسيحية، ودرس في مدرسة مسيحية، ثم في جامعة كاثوليكية، واتجه لاحقاً إلى السينما والتلفزيون.
يتذكر الصفوف التي كان غالب طلابها مسيحيين، والقداس وساعات التعليم الديني وأصدقاءه الذين يتقدمون إلى المناولة الأولى فيما يبقى هو في مكانه. لم تكن المسألة مأساة يومية، لكنها كانت إحراجاً متكرراً لطفل يتعلم باكراً أنه موجود داخل الجماعة وخارجها في الوقت نفسه.
ويخبر وسام أنه سمع أيضاً الصور النمطية المعتادة عن المسلمين و”المتاولة”، وهو لقب للشيعة في لبنان، ونجح في تجاوز جزء كبير منها لأنه اندمج بسهولة مع محيطه، وفي سن الـ17، دخل الدين حياته من باب آخر، عندما أحب فتاة مسيحية وانتهت العلاقة لأن أهلها رفضوا ارتباطهما رفضاً قاطعاً بسبب الاختلاف الديني.
من تلك اللحظة يقول وسام أنه بدأ يسأل نفسه عن دور الأديان في جمع الناس أو تفريقهم. ثم جاءت الجامعة، واتسعت قراءاته وعلاقاته، واقترب من أوساط يسارية ومن الحزب الشيوعي اللبناني واتحاد الشباب الديمقراطي. وجد هناك شباناً وفتيات من طوائف مختلفة يجتمعون حول خطاب علماني وانتقاد للحرب الأهلية والطائفية.
ويشير إلى إنه عندما فتح تعميم وزير الداخلية السابق زياد بارود عام 2009 الباب أمام طلب شطب الإشارة المذهبية، تحمس وسام ومجموعة من نحو 10 شبان. كانت الفكرة بالنسبة إليهم جزءاً من مشروع أكبر، بأن يكون اللبناني لبنانياً أولاً، وأن تتحول الطائفة إلى شأن اعتقاد شخصي، وليس مفتاحاً لتنظيم الدولة والمواطنين.
وحتى طريقة ترتيب سجلات النفوس كانت بالنسبة إلى وسام دليلاً صغيراً على حجم حضور الطائفة في الإدارة. يذكر أن السجلات نفسها كانت مقسمة مذهبياً، فيقول “يوجد سجل رقم 3 ماروني وسجل 3 شيعي”، وأن العثور على اسم المواطن قد يبدأ عملياً بالسؤال عن طائفته. بالنسبة إليه، لم يكن التصنيف فكرة سياسية بعيدة، فقد كان موجوداً في طريقة حفظ اسمه داخل الدائرة الرسمية.
“حرية موقتة ومزيفة”
يروي أنهم ذهبوا إلى المختار، ثم إلى دائرة النفوس. يتذكر أن وديع يوسف أبي غصن في بلدة جبيل شمال لبنان، قال له إن الخطوة ذكّرته بشباب الستينيات ومحاولاتهم المشابهة.
كان وسام يعرف أن القانون لم ينضج بعد إلى منظومة مدنية كاملة، وكان الحلم أكبر من مجرد شطب على إخراج القيد، لكنه كان ينظر إلى الشطب بوصفه خطوة يمكن أن تجرّ خلفها خطوات أخرى تنتهي بأن يصبح اللبنانيون “كلنا تحت قانون واحد، وليس تحت قانون صنفته الطوائف”.
وحين حصل وسام على إخراج قيد ووجد مكان المذهب مشطوباً، احتفظ بالوثيقة كتذكار. لا يزال يتذكر لحظة تسجيله في الجامعة حين طلبوا منه كتابة طائفته، فأبرز إخراج القيد ووُضع شطب مكانها. بالنسبة إليه كانت لحظة حرية، منحته شعوراً بأنه نجح ولو مرة واحدة، في منع مؤسسة ما من طلب معلومة يعدها شخصية.
عاش وسام تلك الفترة سعيداً بما فعله، قبل أن يعيد وصف تلك الحرية بعد أعوام بأنها “حرية موقتة ومزيفة”. فقد انتظر أن تتحول الخطوة إلى مسار أوسع، وأن تتبعها خطوات قانونية وسياسية أخرى. لم يحدث ذلك، ومع الوقت بدأت الحماسة الأولى تصطدم بما يسميه هو “الخيبة الكبيرة” من قدرة النظام على البقاء كما هو حتى بعد أن يعترض عليه بعض أفراده.
ثم بدأت التحذيرات تأتيه من كل صوب مفادها “لن تستطيع أن تتزوج ولن تُدفن، ولن تستطيع دخول الدولة، ولن تحصل على وظيفة، ستخسر حقوقك”.

وسام حيدر وعائلته شطب الطائفة بقناعة وأعادها للضرورة (اندبندنت عربية)
ثم إعادة الإشارة
قررت عائلة وسام، خلال دورة للانتخابات البلدية في مدينة جبيل، أن ترشحه لعضوية المجلس البلدي مكانَ قريبٍ له تعذر عليه الاستمرار. في المناطق الصغيرة، لا تكون البلدية شأناً إدارياً فقط، فهناك عائلات ومقاعد وتفاهمات وحسابات محلية لا تحتاج إلى كتاب في العلوم السياسية لفهمها.
وافق وسام بعد ضغط من العائلة. وعند تقديم ترشيحه، اكتشف أن شطب طائفته الذي بدا له لأعوام قراراً شخصياً أصبح فجأة شأناً عاماً جداً. ويروي أن ضغوطاً بدأت تمارس على ابن عمه الذي يتولى شؤون العائلة، وأن مسؤولين حزبيين من البلدة دخلوا على الخط، وأن الرسالة وصلت إليهم بأن وسام “خارج النطاق الشيعي” لأنه شطب طائفته. عندها عرفت العائلة كلها.
يقول وسام إن قسماً من العائلة انزعج، والبعض الآخر فهم موقفه وشجعه، فيما تعامل آخرون مع الخطوة كأنها خروج على الجماعة. ففي لوائح العائلة، حيث يظهر أفراد بيت حيدر واحداً بعد الآخر ضمن الطائفة الشيعية، كان اسم وسام يحمل شطباً لا يحتاج إلى كثير من الشرح!
قررت العائلة في البداية ألا تخضع للضغط، ثم تعقدت الحسابات. يقول وسام إن رئيس اللائحة لم يتخذ موقفاً واضحاً في مواجهة الاعتراضات، فانسحب وسام في النهاية من العملية كي لا تتحول القضية إلى صراع أوسع.
ويضيف أن هذه الواقعة أثرت أيضاً في المزاج الانتخابي داخل العائلة لاحقاً، وأن أصواتاً انتقلت باتجاه لائحة أخرى، في قراءة يربطها وسام بما حدث معه وبالعجز عن اتخاذ موقف واضح آنذاك.
وبعد فترة، جاء الضغط الأصعب من والده. فوسام وحيد أهله، ووالده خاف من تبعات الشطب عليه في الزواج والإرث والعائلة، تعب من النقاش وأصر عليه إعادة القيد. وافق وسام من دون أن يغيّر قناعته، كما يقول.
إعادة اعتناق الإسلام
إذا كان الشطب سهلاً، فإن العودة لم تكن بالبساطة نفسها، وغالباً ما يطلق عليها عبارة “تصحيح” في إعلان موقف من الشطب وكأنه خطأ أو زلة.
استعان وسام بمحام، ودفع، بحسب ما يتذكر، ما يقارب مليون ليرة آنذاك، أي نحو 600 دولار. ثم وجد نفسه أمام المحكمة الجعفرية يعامَل كأنه شخص خرج كلياً من الإسلام ويريد الدخول إليه من جديد.
في المحكمة أعاد وسام الشهادة “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وعلياً ولي الله”.
والجديد بالنسبة إليه الجزء الأخير، “وعلي ولي الله”، فهو على رغم تسجيله شيعياً منذ الولادة، نشأ في بيت كانت تربيته الدينية أقرب إلى السنّية. وجد نفسه إذاً يثبت أمام المحكمة انتساباً مذهبياً كانت الدولة قد سجّلته له قبل أن يعرف هو نفسه الفروق بين المذاهب.
يضحك وسام حين يروي الحادثة. فقد شطب إشارة إدارية من سجل رسمي، ثم اضطر كي يعيدها إلى المرور بطقس بدا كأنه يعلن إسلامه للمرة الأولى.
تزوج وسام لاحقاً مدنياً، ومن امرأة من غير طائفته، ولم يتغير موقفه من الهوية الدينية أو الدولة. يلخص تجربته بأنها بدأت بثورة شبابية صغيرة تؤمن بإمكان تعزيز المواطنة، وانتهت بخيبة من قدرة النظام على ابتلاع هذه المبادرات من دون أن يتغير كثيراً.
ثم غادر لبنان لاحقاً. ويقول إن البلد أصبح بالنسبة إليه منطقته جبيل والعائلة والذكريات أكثر مما هو مشروع يستطيع أن يراهن عليه.
خلود والزواج المدني المزلزل
إذا كانت تجربة وسام قد اصطدمت بالسياسة المحلية والعائلة، فإن تجربة خلود سكرية ونضال درويش أخذت المسألة إلى منطقة أشد حساسية، الزواج.
تقول خلود إن قرارها شطب القيد انطلق من إيمانها بلبنان كدولة لمواطنين، وليس كاتحاد لجماعات طائفية.
عندما أخبرت خلود عائلتها، خاف أفرادها من أن تخسر حقوقاً وظيفية أو مدنية. واستعانت بمتابعة قانونية وشرحت لهم أن الشطب لا يسقط هذه الحقوق، فتقبلوا القرار. أما في المحيط الأوسع فكان الاستغراب والاعتراض والتحذيرات، ترى أن جزءاً كبيراً منها ناتج من عدم معرفة الناس بما يسمح به القانون أصلاً.
كان زوجها نضال درويش قد شطب قيده عام 2009 في المرحلة التي ارتبطت بتعميم الوزير زياد بارود، ثم شطبت هي قيدها الطائفي عام 2011، فيما كانا يستعدان للزواج المدني، رغم أنهما ينتميان إلى الطائفة ذاتها.
قدما الطلب إلى مأمور النفوس. وحذرهما بعض الموظفين من خسارة الحقوق، وآخرون قالوا إن البلد لن يتغير لأن شخصين شطبا طائفتيهما. لكنهما أصرّا على الطلب.
وقرار الزواج المدني كان بالنسبة إليهما متصلاً أيضاً باعتراضهما على ما تعده خلود فساداً في المحاكم الدينية وهيمنة على حقوق النساء. تقول “خطوتنا كانت ثورة على الدولة الطائفية وعلى ظلم المحاكم الدينية للنساء”.
عام 2012 أعدا الأوراق، وعقدا زواجهما أمام الكاتب بالعدل جوزيف بشارة بحضور الأهل والشهود والأصدقاء.

خلود سكرية ونضال درويش وأول زواج مدني عقد في لبنان ودفعا ثمنه لجوءاً (اندبندنت عربية)
تهديدات بالجملة
تقول خلود إن دوائر النفوس في الهرمل رفضت تسجيل العقد وطلبت رفعه إلى الجهات المختصة، ورئيسة دائرة النفوس في زحلة عدت تسجيل الزواج “مستحيلاً”.
وصل الملف إلى وزارة الداخلية، وبدأ سجال قانوني وسياسي وديني حول صحة العقد وشكله ومضمونه. في نيسان 2013 سُجّل الزواج، كأول زواج مدني يعقد في لبنان.
تختصر خلود تلك المرحلة بجملة واحدة “ربحنا عليهم”، لكن الثمن لم ينته عند التسجيل.
تفصل خلود بين شطب القيد وما تعرضت له بعد الزواج. فهجرتها إلى السويد، تقول، لم تكن بسبب الشطب، وإنما بسبب تهديدات بالقتل استهدفتها وزوجها وطفلهما على خلفية الزواج المدني.
أول تهديد تتذكره جاء عبر “فيسبوك” من شخص مجهول هدّد بقتل ابنها ووصفه بأنه “ابن زنا”.
وتستعيد أيضاً مواقف من مرجعيات كبيرة وفتوى بالردة رأت فيها تهديداً لحياتهم، وبياناً لهيئة علماء المسلمين عد الزواج المدني أشد أثراً في الإسلام من الشيوعية.
أما شطب القيد نفسه، فتتذكر أنه كان أيضاً مدخلاً إلى تكفير من نوع آخر. تقول إن قاضي شرع سنياً وصفها وزوجها بالكافرين خلال حلقة مباشرة على إحدى القنوات التلفزيونية بسبب شطبهما إشارة الطائفة. وترى خلود أن هذا الوصف لم يكن يستند إلى حق قانوني، وأن مثل هذا الخطاب يستخدم للضغط على الناس والإبقاء على سلطة المحاكم الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية.
وتشير أيضاً إلى مواقف كنسية عدت الزواج المدني متعارضاً مع سر الزواج وقد تؤثر في موقع المؤمن داخل الكنيسة.
بعد تسجيل الزواج، سُجل ابنهما بسهولة ومن دون طائفة، مع ارتباط القيد المدني بالأب. إلا أن خوفها انتقل إلى المستقبل، من تساؤل ماذا سيحدث حين يكبر في بلد لا تزال فيه المدرسة والعمل والعلاقات الاجتماعية قادرة على استدعاء الطائفة في لحظة.
وتقول خلود إن شطب القيد لم يسقط حقهما في الانتخاب، والقانون لا يمنع مَن شَطب طائفته من التوظيف، لكن التوزيع الطائفي في الواقع أقل ترتيباً من النصوص، ويجعل فرص العمل أكثر تعقيداً. فقد واجهت رفضاً لعقدها في مدرستين رسميتين في منطقتين مختلفتين، وكذلك في إحدى الشركات، وترى أن وضعها الطائفي الجديد كان جزءاً من المشكلة.
ومع ذلك لم تفكر هي ونضال في إعادة القيد. وتقول إن انتماءهما إلى لبنان وحده هو ما يهمهما. ولم يكن الرحيل إلى السويد بالنسبة إلى خلود تخلياً عن البلد الذي أمضت فيه أعواماً في العمل الاجتماعي والسياسي ومحاولة تغييره. ما حسم القرار كان الخوف على طفلها بعد التهديدات التي وصلت إلى العائلة.
الخروج من الصف
في لوائح الشطب لعام 2000، أحصت دراسة لكمال فغالي 546 تسمية للمذاهب في لبنان، من بينها “لا طائفي” و”شيوعي” و”بلا دين” و”لقيط”، وحتى “روم أرثوذكس سني”. ووصل ارتباك خانة المذهب إلى تسجيل “برازيلية” و”بلوغ السن” و”1977″، كأنها خانة تتسع لكل شيء، من الجنسية إلى العمر، مروراً بالمعتقد، قبل أن تصحح لاحقاً، وقبل إصدار التعميم الذي يسمح بإزالة الإشارة إلى الطائفة، والذي ينفذ بعد تقديم طلب إلى دائرة النفوس التابعة للأحوال الشخصية.
وفي الإجراءات العملية لهذا التغيير، فإن المواطن يستند إلى المادة التاسعة من الدستور التي تجعل “حرية الاعتقاد مطلقة”، وإلى الفقرة “ب” من مقدمته التي تُلزم لبنان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فيما تحمي المادة السابعة المساواة بين اللبنانيين، وتضمن المادة 12 حقهم في الوظيفة العامة وفق الاستحقاق والجدارة.
ثم جاء رأي هيئة التشريع والاستشارات رقم 276/2007، وإحالة وزارة الداخلية في الـ21 من أكتوبر (تشرين الأول) 2008، وأخيراً تعميم الوزير زياد بارود رقم 14/1 في السادس من فبراير (شباط) 2009 ليقول لمأموري النفوس بوضوح، اقبلوا طلبات الشطب من دون إجراءات إضافية، وضعوا علامة “/” مكان المذهب.
نموذج يُملأ ويذيل بتوقيع وصورة هوية، ويسلم الطلب إلى قلم النفوس. هذا كل ما يحتاج إليه اللبناني كي يزيل من سجله الصفة التي دخلت إليه يوم وُلد من دون أن يسأله أحد إن كان يريدها أصلاً.
هذا المواطن الذي كان موضوعاً بعناية في واحدة من 18 طائفة معترفاً بها رسمياً، يصبح في خانة المذهب مجرد خط مائل. فالدولة لم تخصص خانة جديدة لمن قرر ألا يعرّف نفسه بهذه الطريقة، وخرج فقط من الصف. وفي بلد يعرف جيداً كيف يرتب الناس طائفياً، تصبح هذه الخانة نوعاً من التشويش في النظام، والمواطن الذي أزال اللافتة المذهبية يبدو وكأنه خرج من قطيع الولاء المنظّم إلى مساحة لا تزال الدولة تنظر إليها بشيء من الحيرة.

وثيقة إخراج قيد المطران غريغوار حداد وقد شطب عليها المذهب (المركز المدني للمبادرة الوطنية)
حق واضح… وما بعده أقل وضوحاً
قانونياً، بدأت الحكاية قبل تعميم الوزير بارود بـ40 عاماً تقريباً. ففي عام 1969 أجازت محكمة استئناف بيروت، في قضية سامي الشقيفي، شطب الإشارة إلى الطائفة من سجل النفوس، معتبرة أن إزالة الإشارة لا تعني ترك الدين أو المذهب. ولم يُنفذ الحكم يومها، فبقي سابقة قضائية حتى عاد الموضوع إلى الواجهة بعد عقود. وفي عام 2009 ثبّت تعميم وزير الداخلية زياد بارود رقم 14/1 حق المواطن في عدم التصريح بانتمائه الطائفي أو طلب شطب الإشارة إليه من سجلات النفوس. وما يُحذف هنا هو الإشارة الإدارية إلى المذهب، والشطب لا يعني أن صاحبه أصبح بلا دين، ولا أنه ترك طائفته حكماً.
ولا يؤدي الشطب إلى إسقاط الحقوق المدنية والسياسية. ولا يوجد نص يمنع شاطب الإشارة من الوظيفة العامة أو الانتخاب. وحتى الترشح إلى مجلس النواب، حيث حسم مجلس شورى الدولة جانباً منه عام 2022 عندما ألزم وزارة الداخلية بقبول ترشح المواطن محمد ناصر الذي كان مذهبه مشطوباً. إلا أن المرشح يدخل عندها إلى نظام لا تزال مقاعده النيابية موزعة طائفياً، فيمكنه حذف الطائفة من قيده، فيما يبقى المقعد الذي يطلبه مصنفاً مذهبياً.
الأحوال الشخصية المربكة
لبنان لم يضع حتى اليوم قانوناً مدنياً متكاملاً ينظم زواج من شطبوا طائفتهم من سجلات القيد وطلاقهم وحضانتهم وسائر شؤونهم العائلية، والقانون يعترف بإمكان وجودهم، ثم يترك جزءاً مهماً من حياتهم من دون إطار مدني مكتمل.
ومن هذه الفجوة خرجت تجارب الزواج المدني داخل لبنان. عام 2013 سُجّل زواج مدني عُقد في لبنان بين شخصين شطبا الإشارة إلى طائفتيهما (خلود ونضال)، فبدا أن باباً صغيراً قد فُتح. لكن المحكمة الابتدائية في بيروت عادت في يونيو (حزيران) 2025 وأبطلت زواجاً مدنياً آخر عُقد في ظروف مشابهة، معتبرة أن شطب الإشارة لا يعني وحده خروج الشخص من مذهبه، وأن غياب قانون مدني لبناني للأحوال الشخصية يمنع ترتيب هذه النتيجة تلقائياً، وأبقت المحكمة بعض آثار الزواج حماية لمصلحة الطفلة المولودة منه.
وهكذا يبقى الزواج المدني المعقود خارج البلاد أوضح قانونياً، إذ تملك الدولة آلية رسمية لتسجيله، فيما يظل الزواج المدني المعقود داخل لبنان عرضة لاجتهادات مختلفة.
أما الإرث، فلا يسقط لمجرد شطب الإشارة. المشكلة أن لبنان يطبق أنظمة مختلفة بحسب الانتماء الديني، لذلك قد يفتح الشطب نزاعاً حول القانون الواجب تطبيقه والمرجع القضائي المختص، من دون أن يكون سبباً آلياً للحرمان من الإرث.
أسماء سبقت إلى الشطب
من أشهر الشخصيات وأكثرها جدلاً المطران غريغوار حداد، أحد أبرز دعاة العلمانية في لبنان. الذي شطب الإشارة إلى مذهبه عام 2009، وكان الأمر لافتاً لأن من قام به رجل دين بقي مطراناً في تعريفه وإيمانه فيما رفض أن يظهر مذهبه في سجله المدني. وصورة إخراج قيده المحفوظة لدى “المركز المدني للمبادرة الوطنية” تظهر خانة المذهب مشطوبة.
ويعد المؤرخ كمال الصليبي من أصحاب القيود المنشورة بلا مذهب.
وفي مارس (آذار) 2009 كان مختار بلدة العين البقاعية يوسف جعفر من أوائل الذين نفذوا الإجراء بعد تعميم بارود، ضمن مجموعة قاربت 70 شاباً وشابة تقدمت بطلبات الشطب في يوم واحد.
وفي سبتمبر (أيلول) 2010، بعد أقل من عامين على فتح الباب الإداري أمام الطلبات، كانت وزارة الداخلية قد أحصت 412 شخصاً شطبوا الإشارة إلى مذاهبهم، 182 في جبل لبنان، و90 في البقاع، و78 في الجنوب، و45 في بيروت، و30 في النبطية، و17 في الشمال، وبعضهم عاد لاحقاً عن القرار.
لطالما قارنّا في أدبياتنا في لبنان بين ما يذكر في النصوص وما يستقر فعلياً في النفوس. ففي حين تبدو النصوص أحياناً سابقة لزمنها، تبقى النفوس مشدودة إلى تصنيفات أقدم منها. وتبقى النصوص أحياناً شبه مبتورة، قد تشجع مقدمتها على إمكانية الشطب لكنها تخفي تفاصيل ما بعده، ولا أجوبة كافية لديها، فتترك المواطن معلقاً يبحث أحياناً عن مخرج أو يعود إلى أحضان طائفته.






