أبرز العناوينلبنان قبل النجاة الفردية

لبنان قبل النجاة الفردية

أنطوان العويط

تتقدّم في لبنان حسابات النجاة الفردية على الرهان على المصير المشترك. فالهجرة، وتأمين تعليم الأبناء وحياتهم خارج البلاد، ونقل المصالح والاستثمارات إلى بيئات أكثر استقرارًا، إن وُجدت، باتت خيارات متزايدة لدى الأفراد والعائلات، تحت وطأة أزمات تستنزف الطاقات، وتضيّق الآفاق، وتبدّد الثقة بالغد. ومع اتّساع هذا المسار، تتعمّق الهوّة بين تطلّعات اللبنانيين وقدرة وطنهم على احتضانها، ويغدو البحث عن الأمان خارج الحدود مؤشرًا إلى تراجع التعويل على نهوض الدولة وصون كرامة أبنائها.

من هنا، أتوجّه إلى رئيس الجمهورية، وبخاصة إلى رئيس مجلس الوزراء والوزراء، بنداء يستند إلى إيمانهم المشترك بالمسؤولية الوطنية، وحرصهم على لبنان، والتزامهم حفظ مستقبله وحماية مصالح أبنائه.

صحيح أنّ العمل قائم، لكنّ المطلوب هائل. وإذ أدرك حجم التحدّيات التي تواجه البلاد، وما تفرضه الحروب والاضطرابات والضغوط الاقتصادية والاجتماعية من استحقاقات متشابكة، فإنّ استعادة اطمئنان اللبنانيين إلى قدرتهم على بناء حياتهم في وطنهم تبقى أساسية، وترتبط بصمود البلاد وإمكان تعافيها، وبشعور أبنائها بأنّ أرضهم لا تزال تتّسع لطموحاتهم.

قد يقول قائل: أهذا أوانُ ندائك، فيما تلوح في الأفق احتمالات حرب تطال وطنك والمنطقة؟

إنّ جسامة ما قد يأتي لا تبرّر الصمت عمّا يجب أن يُقال، بل تجعل النداء أكثر إلحاحًا. فالهجرة المتعاظمة، بما تخلّفه من خسائر بشرية واقتصادية وديموغرافية، ليست سوى وجه من أوجه الأزمة والحروب؛ فيما يتفاقم الاحتقان الاجتماعي تحت وطأة الضائقة المعيشية، واتّساع الفوارق، وانحسار فرص العمل، وتراجع الحماية الاجتماعية.

فحين يعجز المواطن عن تأمين احتياجاته الأساسية، ويكتشف أنّ جهده لا يكفل له حدًّا مقبولًا من الثبات، تتراجع قناعته بإمكان الإصلاح، ويتعاظم شعوره بالعجز والتهميش.

وإذا تُركت هذه الاختلالات من دون معالجة جدّية، فقد يتحوّل الغضب المكتوم إلى احتجاجات تتجاوز المطالب المعيشية، وتهدّد السلم الأهلي، وتزعزع الاستقرار المؤسّسي، وتدفع البلاد نحو اضطرابات قد تُستغلّ بسوء نيّة، ويصعب احتواء تداعياتها.

في هذا السياق، لا يدعو النداء إلى الهجرة، ولا ينتقص من حقّ الإنسان في حماية عائلته ومصالحه. فمن حقّ كلّ مواطن أن يؤمّن تعليمًا جيّدًا لأبنائه، ويحمي مدّخراته، ويعمل بكرامة، ويرسم مسار حياته بعيدًا من الخوف.

لكنّ اضطراره إلى البحث عن هذه المقوّمات خارج وطنه يثير تساؤلات جوهرية عن الفجوة بين ما يُطلب من المواطن من واجبات وما يحصل عليه من حماية ورعاية.

وتتضاعف الخسارة حين يغادر الشباب وأصحاب الكفاءات وروّاد الأعمال، أو ينقلون استثماراتهم إلى الخارج. فلبنان يخسر بذلك طاقات قادرة على تنشيط اقتصاده، وابتكار فرص العمل، وتطوير القطاعات الإنتاجية، فيما تسدّ السُّبل والآمال أمام الأجيال الجديدة. ويزداد المشهد تعقيدًا حين تتقاطع هذه الهجرة مع التفاوت الاجتماعي؛ إذ يتمكّن الأكثر قدرةً من تأمين بدائل تتيح لهم التكيّف مع الأزمة، فيما يواجه الأقلّ حظًّا، الذين باتوا يشكّلون الغالبية الساحقة، أعباء الحياة بإمكانات محدودة، الأمر الذي يعمّق الشعور بالغبن ويوسّع دوائر الاحتقان.

من هنا، تبرز مسؤولية الدولة في جعل التعليم الجيّد، والاستشفاء اللائق، والخدمات الأساسية، وبيئة العمل والإنتاج، حقوقًا متاحةً للجميع، لا امتيازات تحدّدها القدرة المالية.

يقتضي ذلك خططًا واضحة، ومهلًا زمنية قابلة للمتابعة، ومصارحة اللبنانيين بما أُنجز وما تعثّر وأسباب التعثّر.

لا أحد ينتظر من الحكومة أن تعالج الأزمات دفعةً واحدة، والجميع يدرك حجم القيود التي ترزح تحتها المالية العامة. غير أنّ ضيق الإمكانات لا يعني انعدام الخيارات، والأبواب ليست كلّها موصدة. فتثمير أصول الدولة، على سبيل المثال لا الحصر، يشكّل رافعةً واسعة لتعزيز الإيرادات العامة، شرط أن يُدار برؤية اقتصادية واضحة، وضمن معايير الشفافية والكفاءة وحماية الملكية العامة.

غير أنّ العبرة تبقى في تحويل المقدرات المتاحة إلى نتائج ملموسة. ومن هذا المنطلق، يُقاس الأداء الحكومي بقدرته على استنباط الحلول، والانفتاح على الطروحات الجديّة، وتحقيق تقدّم فعلي ملموس. وتبقى المحاسبة ضمانةً لتصويب المسار، ومتابعة التنفيذ، وترسيخ المسؤولية عن الالتزامات والنتائج.

ويمتلك لبنان طاقات بشرية وخبرات واسعة وامتدادًا اغترابيًّا يمكن أن يشكّل رافعةً للنهوض، شرط تهيئة بيئة تحمي المبادرة، وتكافئ الجهد، وتتيح للشباب بناء مسارات مهنية وحياتية مجدية. فإقناع الذين غادروا بالعودة يبدأ بمعالجة أسباب هجرتهم، وتمكين الذين لا يزالون في البلاد من بناء مستقبلهم يستوجب توفير مقوّمات العيش الكريم.

وتتصل هذه المسؤولية بالملفات الوطنية الكبرى، من تجنّب الحرب وتثبيت السيادة وتحرير الأرض وحصر السلاح بيد الدولة، إلى إعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد وصون القدرة الشرائية.

هذه الأولويات متكاملة، لأنّ الاستقرار الوطني لا ينفصل عن التماسك الاجتماعي، والمجتمع الذي يشعر بالإنصاف ويحظى بفرص متاحة للعمل والإنتاج يكون أقدر على مواجهة التحدّيات والحفاظ على وحدته.

لذلك، تكتسب الشراكة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والوزارات المعنية أهميةً حاسمة، ضمن رؤية موحّدة تجعل الحدّ من الهجرة الاضطرارية، وتوسيع فرص العمل، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، ومعالجة أسباب الاحتقان، مسارات متلازمة.

إنّ مسؤولية الرئيسين والوزراء اليوم لا تقتصر على إدارة الأزمات، بل تمتدّ إلى حماية الرابطة التي تجمع اللبنانيين بوطنهم، وإعادة بناء الثقة بقدرتهم على صناعة مستقبلهم فيه. عندها فقط، يمكن للنجاة الفردية أن تلتقي مع الخلاص الجماعي.

- إعلان -
- إعلان -
- إعلانات -
- إعلانات -

الأكثر قراءة

- إعلانات -
- إعلانات -
- إعلان -
- إعلان -