16.5 C
Byblos
Saturday, January 31, 2026
جبيليات" بجرين " ليست بلدة أشباح ....

” بجرين ” ليست بلدة أشباح ….

الأستاذ الياس طنّوس إبراهيم

بعكس ما قيل عن بجرين، انها بلدة أشباح مات أهلوها غرقا في البحر هربا من الطغيان التركي والمجاعه، بجرّين بلدة راقدة بهدوء في وسط بلاد جبيل في منخفض وادع بين بلدتي حصارات وغرفين، ممتد برفق من بطاح بلدة حبالين بانحدار بسيط من الشرق حتى مجرى الماء الشتوي الذي يفصلها عن بلدة حصرايل غربا، كانت بيت مونة ومخزن غلال ومصدر رزق للعديد من عائلات القرى المحيطة بها لخصوبة تربة جلولها وطواريعها ومقاصلها، تغلّ الحبوب وتنتج الخضار وتعطي الثمار من صبار وتين ولوز ورمان وعنب ناهيك عن شرانق الحرير في موسم العز حيث راجت فيها كغيرها من قرى جبل لبنان، زراعة أشجار التوت لتربية دود القز. وكانت بيوتها آنذاك لا تتجاوز الدزينة كما نقلت لي عمتي سعدى عن والدها المختار الياس، وكان يسكنها ملاكون من غرفين من بيت الرويس وبيت راجي، ومن عيدمون من بيت حرفوش ومن كور الهوا من بيت سلهب ومن حصارات بيت الحصاراتي ومن حبالين من عائلات عون وعبّاس وعلاّم وحبالين وكيوان.

هاجر قسم منهم إلى أميركا اللاتينيه خاصة البرازيل، خلال فترات الهجرة اللبنانية الأولى، وقسم منهم نزح إلى الشيّاح ( عون وكيوان وعلّام). ومنهم من تاه في البحر مع الأسطول الفرنسي هربا من الطغيان التركي. (آل حرفوش وآل حبالين). فآلت أملاكهم إلى مشايخ آل نعمه غرفين وبيت تامر حبالين، إنْ بالرهن على أمل العوده أو بالبيع بغية الهجرة والإغتراب، وقسم انقرض بدون عقب ( بيت الحصاراتي ) حيث آلت أملاكهم إلى أخوالهم في حبالين. وكانت إداريّا تابعه لبلديّة حبالين التي تكوّنت من حبالين وحصارات وغرفين وعيدمون وحصرايل وكور الهوا، وهي تتبع إداريا لبلدة غرفين منذ مطلع القرن المنصرم وقبل حرب “الأربعتعش” وقبل المجاعة جرّاء الحصار الذي فرضه الأتراك على الحلفاء من جهة والحلفاء على الأتراك من جهة ثانية. وإذ اصبح مشايخ آل نعمه يمتلكون معظم أملاكها، أوكلوا استثمار مواردها الزراعية بالمناصفة على الفلاحين والمزارعين كشركاء، بعد الإحتفاظ بحق الملكية الكامل لهم دون سواهم من عقار وأشجار، وكان معظم الشركاء من بلدة حصارات.

 

تولى جدي المختار الياس بمشاركة سعاده حنّوش سعاده ثلاث عودات من عِواد الشيخ أسد راجي نعمه وسكنا وعيالهما في عليّة واحدة.

كان أسد راجي رجلا إقطاعيا فظا، قاسي الطباع متغطرسا وكأنه سليل من أباطرة وسلاطين، وكان جدي طيب السيرة لين الطباع زجالا سريع الخاطر رخيم الصوت تحلو معه الجلسات وتطيب السهرات وينتسى بحضوره الهمّ والعناء. توطّدت العلاقة بينهما كصديقين حميمين حتى حدود رفع الكلفة من جهة الألقاب وصولا إلى توزيع الغلال مثالثة بدل المناصفة… وصار عليه لزاما في أغلب الأيام بعد تعب النهار أن يصطحب شريكه سعاده ومن يشاء لقضاء السهرات العرمرمية على كسر العرق المثلث ووصلات العتابا والميجانا وإرتجال القرادي والمعنى، وطال ذلك الزمان على مدى سنين حتى…؟!

كان الشيخ أسد في مواسم الجني والحصاد في أغلب الصباحات يمتطي بغله يسابق عصافير الدوري يتفقد أملاكه الواسعة على امتداد دون انقطاع من غرفين حتى تخوم بلدة غرزو مرورا بكور الهوا وشيخان، وكانت زوجته تتكفّل بإرسأل الزوّادة ” المتّفق عليها كّما ونوعا كلّ يوم” مع خادمه الأمين صادق إلى عليّة له قرب كنيسة مار الياس.

ظهيرة ذات يوم تشريني مصفرٍّ كأوراق تناثرت فهوت، مغبرٍّ كأشعة شمس لفتها غيمة رمادية، حضرت الزوّادة مع صادق، ففلشها على الأريكة المقفية ومنّى نفسه بعشر أقراص من كبة الحجل المقليّة وبضعة أرغفة من خبز التنور شغل ديّات صديقه شقيقة صادق… وإذ تبيّن أن الأقراص دون التسعة والأرغفة ناقصة رغيفا أمسك عصاه بفشلته وطال نافوخ صادق بعد ما فدغ جبينه بالأولى فأرداه مضرّجا بدماء الذل والخوف والجوع، ولمّا همدت أنفاسه جره ورماه في بئر في قبو العليّة، يعلّمه درسا في الأمانة والإتمان…

ردم فوهة البئر بجزوع الأشجار والحجارة والتراب، وأحكم إقفال منافذ القبو وسدّ مجرى مياه السطح عن البئر وطوى صفحة الخادم ولا من رأى ولا من يحزنون…

لاقت صديقه مصير أخيها عندما حاولت تسأل عنه.

وتمادت الأسئلة عنهما دون جدوى وطال البحث عليهما عبثا، حتى…؟!

بعد سنتين مات الشيخ الجليل، فباع ابنه راجي ما ورثه والده عن جده بمائة ألف ليرة ورق وهام فقيرا لا يلوي على لقمة غداء في كوخ في قفار عمشيت وأضحت حارته مأوى للبوم ومزربا للدواب، وقد عابت أروقتها وهوت جدرانها برسوماتها المائية وبديع فسيفسائها الرخاميّة المرصّعة بالعاج والمرمر وهرّ سقفها وردم كل أثاث وكل طمع وكل جور.

حاول جدي بمساعدة شريكه تنظيف البئر قبل حلول الربيع لحاجتهم الى مياهه في فصل الجفاف، فانزل بكرَه سعدى بواسطة حبل شدّ على بكرةٍ نصبت على قدد من الجذوع المعتّقة، وقبل أن تطأ قدماها سطح ما تبقى فيه من مياه ضحلة، صرخت أنتشلوني.. أنتشلوني هناك جمجمة بشريٍّ ترقص على سطح الماء، انتشلوني..انتشلوني…

فقال جدي لا تخافي يا ابنتي هذه جمجمة صادق، وسيأتي يوم يراها كل الناس ترقص مع جمجمة أخته صديقه في أركان حارة الشيخ أسد راجي شماتة بالذل والخوف والجوع.

ولمّا فرغوا من تنظيف البئر جلسوا على الأريكة يتناولون طعام الغداء، فقال سعاده الآن عرفت سبب إغلاق منافذ هذا القبو اللعين وتابع جدي يسرد القصة بحذافيرها على سعدى ومن حضر لتناول الغداء، يعلّمهم درسا عن الفساد والطغيان.

(القصة واقعيه)

- إعلان -
- إعلان -

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- إعلانات -
- إعلانات -

الأكثر قراءة

- إعلانات -
- إعلانات -
- إعلان -
- إعلان -
error: Content is protected !!