وأطلّ صباح تشريني أدمعت فيه عيون السماء خجلا واحتفاء
بقدوم فصل شتاء غامض،أدمعت عيون الناس صدقًا ووفاءً على وقع خبر نعي مفاجئ، وتغلّبت عتمة الديجور على بسمة صباح النّور، وسبحت في سماء المعمور غيمة داكنة، سلبت من الأجواء عبق البخّور، وتغيّرت وجهة الصفحات على وسائل التواصل وإختلفت الأمور،وراحت العواطف والمشاعر تنسكب بلاغةً وحزنًا على وجه السطور،وانسابت كلماتي تخترق بلل الدموع على أوراقي، وتدفّقت أوجاع الأحاسيس حزنًا في أعماقي،وحفرت على جبهة الأيام محبّتي وأشواقي، لذلك الكاهن المميّز والصديق الوفي والأب الروحي، الذي أسدلت في هذا اليوم الستارة على مسيرته الأرضيّة.

برحيل “أبونا توفيق” رحل “حبيب قلوب الشباب” وكأن زمن الإبتسامة يرحل، وكأن “نهاية الحكاية” في أزهار الوداع تنحلّ،وكأن بدر حيويّة الشباب في عز إشعاعه يأفل، وكأن دموع الصدق على بساط الفراق تزحل، إنّه “المونسينيور”الذي طبع كنيستنا ومارونيّتنا وشبيبتنا ووطنيّتنا بطابع عطر من الكهنوت، وسيبقى وسامًا على صدر الزمان ولا ولن يموت ولا تتّسع لعظمة مسيرته خشبات ذلك التابوت.
هو الذي على قدر ما زرع الإبتسامات في هذه الحياة، على قدر ما حصد غمار الدموع في يوم الممات،فلبنان المقيم والمغترب يبكي، والكبير والصغير يبكي، وراية الشبيبة تنكس وتبكي، وبكركي تبكي، والمتن يبكي، وجبيل تبكي،.. ووصل النّحيب على فراق هذا الأب الحبيب إلى حاضرة الفاتيكان وإلى عدّة دول وبلدان….
فمن وراء تلك النظّارات “السميكة” كانت تشرق تلك الروح العميقة وتطلع تلك المشاعر الرقيقة، وأمام هذه اللوحة الباكية تتزاحم المعاني وتسهر على وقع الرجاء الأماني.
أمّا وقد بدأت علاقتي بالراحل المميّز وصداقتي به أيّام كنّا كوكبة مشعّة من الشباب المؤمن في أبرشيّة جبيل ضمن لجنة الشبيبة، وما تتضمنه من لقاءات روحيّة ومخيّمات ومحاضرات وندوات،زمن رعاية سيادة المطران الراعي صاحب الغبطة اليوم،وكان “أبونا توفيق” مع
“أبونا فادي ضوّ”شعلة نشاط، ثمّ إستلم المسؤوليّة وكان كلّ الحركة وكان كل البركة.وهو يومذاك ذلك الشماس المتسلق بإيمان ونجاح الدرجات الكهنوتية. وهوذلك الآتي من جوار نهر أنطلياس ليروي بإيمانه ومحبته ورسالته شغف أرضنا وناسنا.
وكم شرّفتني دعوته لي إلى المشاركة في سيامته الكهنوتيّة في كنيسة مار جرجس- نهر إبراهيم،وكم قدّرت إلتفاتته النادرة والتي توجّه إليّ من خلالها برسالة شكر وتقدير على تلك المشاركة.
ولأنّه من عشّاق الكلمة الحلوة والكلمة الرصينة،فلقد تمنّى عليّ مرارًا وتكرارًا تقديم إحتفالات شبّيبة أبرشيّة جبيل ودائمًا برعاية الراعي. وكم كنت أسرّ وأفتخر بمشاركته لي المنبر والمسرح مع صاحب السيادة وهما من أهل الكلمة والإصغاء .

وكان إنّ طلب إليّ أيضًا وهو مرشد شبيبة الأبرشيّة إلقاء كلمات بإسم تلك الشبيبة في حضرة بطريرك الإستقلال الثاني مار نصراللّه بطرس صفير،وقصدنا بكركي تحت إشرافه وبرفقة باقة مؤمنة من الشباب الجبيلي والكلمة الأولى حطّت رحالها في أيّار من سنة الفين،تحت عنوان “الشهادات تؤدي إلى البطالة ومن يعبّر عن رأيه مصيره السجن “والكلمة الثانية كانت بعد سنتين “كلّ عام ومجد لبنان بخير” ويومها نقل إليّ سيادة المطران الراعي إطراء سيد الصرح قائلًا :” ما هذا الصدى الذي تركته في بكركي..؟”
وراحت اللقاءات والنهارات الروحية تخشع وتسطع في بيت الكاهن في معاد في عهدة” أبونا توفيق”وفي كنف عائلته. وقد ذقنا نكهتها وتمتعنا بأريجها خاصة في مسؤوليتنا في اللجنة الإقليمية لفرسان العذراء وفي أوّل جهاز لخدمة الدعوات في الأبرشية.
وراح “أبونا توفيق” يسلك الطريق الأقرب إلى اصطياد الشباب في شباك الكنيسة. ،فكان “لقاء الخميس” لقاء صلاة على ميناء جبيل الأثريّة، بدلًا من أن يكون سهرات انفصام على شاطئ غرام وعلى “سنسول” من الأوهام وعلى وشك إقتراف الحرام. .
وكان ذلك المطعم الصغير الذي أسسه في السوق القديم كبيرًا بمغزاه وروحيًّا “ىبغذاه” ،وكأنه إستبق عصره في إعطاء هذه المدينة وجهتها الحقيقية وجوائزها الغنية، وسوى سوى يا شباب في “سوى كافيه” وتجاوز الإهتمام بالشباب إلى الإهتمام بالمتروكين من كبار السنّ ومتابعتهم ،وطلب إليّ المشاركة يومًا مع الشباب في “لقاء الخميس” .. وإعطاء” شهادة حياة” عن مسيرتي الرعويّة والأبرشيّة والتي تكاد تكون نقطة في عيلم شهادة حياته، وهكذا علت أمواج “أبونا توفيق” والتي هي أمواج “حضارة المحبة” لتقف بوجه الحضارة القاسفة والزائفة، وعلت عبارة “برافو شباب”بدل عبارة “عيب شباب”.
حتى في الأمور الإداريّة في الأبرشية كان لنا الحظّ بالتعاون معه “كقيّم أبرشي “وكأمين على القليل وعلى الكثير. وإستقبلناه كرعيّة حصاراتيّة وكلجنة وقف في ريّاضة روحيّة وكانت من أنجح الرياضات التي شهدتها الرعيّة، حيث وبعد البرنامج المحدّد،كان يحضر الموعد إلى الولائم والتي تقاسمناها حينها مع المختار موسى بولس رحمه الله ومع الزميل حنّا سعادة شفاه الله،وما لفتني ولا تفارق صورته خيالي ذلك الأثر الطيّب الذي تركه في قلب والدتي والذي إستحال اليوم حزنًا فور تبلّغها خبر الرحيل،كما ذلك الإهتمام بحفيد حنّا وهو من ذوي الإحتياجات الخاصة فراح طوال العشاء يهتمّ ويحتضن ذلك الصبي وما نساه يوم تدشين الكنيسة حيث قرّبه من صاحب الغبطة ،أمّا السهرة الأخرى وكانت الأخيرة للمختار موسى حيث بادر المونسينيور الوفي ما إن علم بخبر رحيل المختار المفاجئ حتّى حضر ومن دون ورقة نعي، وصلّى وأدمع وودّع. واستحالت تلك الولائم والتي أردناها رسائل كرم وتبجيل، إلى صفحات مشرقة من الإنجيل.
نعم،لقد سلك دروب خدمته على هدي الإنجيل، كما عاش التواضع الدائم في الرعايا التي خدمها كحصرايل وعين كفاع… وصولا الى دوره بجانب البطريرك الراعي.
ولمّا انتخب سيادة المطران الراعي على بطريركيّة انطاكية وسائر المشرق،وقرّرنا القيام بتهنئته كأبناء “مدينته الشعبيّة” التي أحبّته وأحبّها وقد كاد الإزدحام وتصرّفات بعض الطارئين على الإنعام يطيح بذلك اللقاء ويمنعنا من التهنئة والكلام، إلى أن أطلّ كشمس الصباح وكنجمة المجوس وهدانا إلى أنوار اللقاء وشاركنا في الإستقبال وفي الإصغاء، ومهّد لنا الطريق ذلك الكاهن الصديق الصديق.
وهل يعقل أن لا يشاركنا المونسينيور بو هدير فرحة تدشين صرحنا الرعويّ،ومن أولى وأحقّ وأقرب منه كي يرافق صاحب الغبطة إلى ذلك اليوم التاريخي في رحابنا.
ورحنا بعدها نحافظ على صداقته ونتواصل معه ونلتقيه خاصّة في الصرح كلّما زرنا صاحب الغبطة والنيافة مار بشارة بطرس الراعي، وكما هو سفير الشبيبة فإنه هو سفير الصداقة في بكركي الذي كما أسلفنا سكنه التواضع في كلّ المناصب التي تولّاها والتي كان من خلالها ذلك الوجه المعطاء واللامع. ومن منا لا يشهد لذلك الإعداد المشغول لذلك اللقاء الكبير والمنقطع النطير للشبيبة في بكركي مع”: قداسة البابا ” ،وكذلك تميّزه في إدارته مكتب راعوية الشبيبة ومكتب الدائرة البطريركية وكذلك إدارته للمركز البطريركي للتنمية البشرية في ريفون…. واليوم يغادرنا إلى فرحه الحقيقي أوليس هو من طالما ردّد
“يسوع فرحي”. ذهب إلى شفاعة وأحضان القديسة تريزيا الطفل يسوع وكما رافقها أثناء زيارتها لبنان،،هاهي ترافقه في زيارته إلى السماء. وانحنت آمال الغد وهنا ،وانحنت شبيبة لبنان حزنًا، ورغم فجائيّة هذا المصاب أمام الرجاء المسيحي تشرّع الأبواب، وللأبونا توفيق عند ربّه خير الثواب. ونتبادل العزاء مع غبطة البطريرك الراعي وسيادة المطران عون وكهنة أبرشيّة جبيل ووالدته والأشقّاء والأهل والأصحاب والزملاء….
“ولم يبقى له سوى إكليل المجد الذي سيجازيه به الربّ العادل الديّان”

