من بين كل القوى السياسية، يُعتبر التيار الوطني الحر الأكثر تخبطاً في كيفية مواجهة استحقاق الانتخابات النيابية، في حال لم يتم تأجيلها. فنتائج استطلاعات الرأي التي تجريها مختلف الجهات الحزبية وغير الحزبية، كفيلة وحدها بتأجيل الانتخابات، بما تتضمنه من حجم المقاطعة وسعة الاستياء، وذلك بمعزل عن كل المشاكل السياسية والاقتصادية، التي تدفع قوى السلطة لعدم خوض غمار التجربة.
تجربة كميل شمعون
اقتراحات كثيرة تعرض في غرف التيار لكيفية خوض المعركة. فالحسابات التي تجرى على أصوات التيار في عزّ العهد في العام 2018 لا تُصرف في الانتخابات المقبلة بأكثر من كتلة نيابية تضم بين تسعة وعشرة نواب، بعد خسارة التيار كل حلفائه. لكن مع حساب تراجع شعبية التيار، سينخفض العدد أكثر. وهذا رهن الموجة الشعبية التي قد تؤثر على نتائج الانتخابات لجميع القوى السياسية.
ومن ضمن الاقتراحات المتداولة في “التيار”، أقله في كسروان، اقتراح تشكيل لائحة من شخصيات مستقلة، كما فعل رئيس الجمهورية الراحل كميل شمعون في العام 1957. أي خوض المعركة بوجوه لا تنتمي للتيار، لكسب التأييد الشعبي وتلافي التراجع المقلق. لكن رئيس التيار رفض الأمر متمسكاً بترشيح الوزيرة السابقة ندى البستاني.
رفض كبير لبستاني
وكذلك، تم التداول بتشكيل لائحة تضم أعضاء من التيار حصراً في كسروان، لإرضاء جميع التياريين وضمان أصواتهم، طالما لا يوجد له حلفاء. فقد تبين أن هناك رفضاً كبيراً لبستاني في كسروان. والمضي بها كمرشحة أساسية يؤدي إلى مزيد من تراجع شعبية التيار، وخصوصاً في المناطق الجردية حيث توجد معاقل التيار. لكن باسيل رفض هذا المقترح أيضاً، ويصرّ على ترشيحها، كما تؤكد مصادر مطلعة.
جبهة اللا أحد
الأرقام صادمة في جبيل وكسروان. ورغم أن استطلاعات الرأي لا تعبر عن سلوك الناخب يوم الاقتراع، وقد تكون مجتزأة في كيفية إجرائها، ثمة استطلاع أظهر أن 46 بالمئة في جبيل و48 بالمئة في كسروان أبدوا عن رأيهم بأنهم لن يقترعوا لأحد. وذلك وفق عينة تمثيلية في جبيل شملت 1402 شخصاً (باستثناء القرى الشيعية، حيث مُنعوا من تعبئة الاستمارات) و1439 شخصاً في كسروان. وقد أبدى نحو سبعين بالمئة من السكان عن أن همهم المعيشي يطغى علي كل شيء، بينما اعتبر نحو 58 بالمئة أن لا ثقة عندهم بأن انتخابات العام 2022 ستؤدي إلى التغيير.
الحواط وافرام في الصدارة
ورداً على سؤال عن الحزب الأقرب إلى الشخص، تصدرت القوات بنحو 28 بالمئة ثم التيار بنحو 21 بالمئة والكتائب بنحو 3.3 بالمئة في جبيل، وكذلك تصدرت القوات بنحو 25 بالمئة، ثم التيار بنحو 17 بالمئة فالكتائب بنحو 6.7 بالمئة في كسروان. أما على مستوى المرشحين، فتصدر الاستطلاع في جبيل النائب زياد الحواط بنحو 28 بالمئة ثم سيمون أبي رميا بنحو 14 بالمئة، يليه فارس سعيد بنحو 2.4 بالمئة، ونعمة افرام نحو 1.4 بالمئة (وضع اسم افرام، الذي يترشح في كسروان، في جبيل، لاختبار شعبيته هناك نظراً لمصالحه والتوظيفات في شركاته). وفي كسروان تصدر افرام المرشحين بنحو 13 بالمئة ثم نائب القوات اللبنانية شوقي الدكاش بنحو 10 بالمئة وندى البستاني نحو 3.2 بالمئة.
على مستوى المقاعد وكيفية توزعها على القوى السياسية والمحلية تشير الإحصاءات إلى حصول القوات اللبنانية على حاصلين والتيار الوطني الحر حاصلين (مع دعم من حزب الله) ونعمة افرام-المعارضة مقعدين مضمونين والتنافس على الثالث. وفي حال توافق النائب فريد الخازن مع منصور البون تحصل اللائحة على مقعد، وتستطيع المنافسة على المقعد الثاني في حال جيّر الثنائي الشيعي جزء من الأصوات لها.
توزيع الأصوات الشيعية
ووفق المصادر، تم التداول بإمكانية توزيع الشيعة أصواتهم في جبيل بين لائحتي التيار وفريد الخازن. أي يتم توزيع الأصوات على المرشحين الشيعيين في اللائحتين لضمان فوز المقعد الشيعي للحلفاء. فالثنائي الشيعي لن يكرر تجربة تشكيل لائحة بمفرده وخسارة الأصوات مثلما حصل في الانتخابات السابقة. بل يخرج من المعركة لدعم الحلفاء ويرضي باسيل وحليفه سليمان فرنجية، أي فريد الخازن.
القوات والمرشحات
على مستوى لائحة القوات اللبنانية تشير المصادر إلى أن الحواط غير قادر على الإنفاق على حملته الانتخابية مثل العام 2018 (يحكى عن أنه أنفق نحو 10 ملايين دولار)، وقد يتعرض لخسارة جزء لا بأس به من الأصوات لصالح لائحة افرام-المعارضة. وقد حاولت القوات استقطاب يمنى الجميل للترشح في كسروان، كي تحدث خرقاً في أصوات حزب الكتائب الذي يرشح الوزير السابق سليم الصايغ. كما عرضت القوات على فارس سعيد ترشيحه في كسروان عوضاً عن جبيل. لكن لم تصل القوات إلى أي نتيجة في كلا الحالتين. وباتت أقرب إلى ترشيح الإعلامية نبيلة عواد لاستقطاب بعض “أصوات المشاهدين”، مثلما فعلت في العام 2018 بترشيح جيسيكا عازار في المتن.
المعارضة وسعيد
ووفق مصادر مطلعة على مفاوضات تشكيل لائحة المعارضة، بات الاتفاق شبه منجز بين “الكتائب” وافرام لتشكيل لائحة تضم مرشحين عن الكتلة الوطنية والخط التاريخي للتيار الوطني الحر وغيرهم. وفي حال لم يترشح فارس سعيد على أي لائحة، وهذا المرجح، ولأن لا حظوظ له بالنجاح في جبيل، يصبح جزءاً من معادلة رفع حظوظ لائحة المعارضة (الأقرب إليه بالخط السياسي المعارض لحزب الله). وتضمن اللائحة ثلاثة مقاعد تكون جميعها في كسروان، وتصبح خسارة ندى البستاني المعركة أمراً محققاً. فالمقاعد الخمسة في كسروان تتوزع على ثلاثة للمعارضة وواحد للقوات وآخر للخازن، ويخسر التيار المقعد الثاني في لعبة كسور الأصوات.
هذه المرّة، يمكن القول إنّ قيادة «التيار الوطني الحرّ» تمكّنت قدر المستطاع، من تجنّب الخلافات الداخلية الناجمة عن الحماسة والتنافس بين «الرفاق الحزبيين» للوصول إلى الندوة البرلمانية. لعل حالة الافلاس التي تصيب اللبنانيين وتجعل من القدرة على تمويل الحملات الانتخابية، محصورة بقلّة قليلة من العونيين، هي التي ساهمت في تجنّب تجرّع كأس التشظّي الذي ينجم عن الوقوف على حلبات تمهيدية قد تهشّم الصفّ الحزبي الداخلي.
هكذا، عبر المرشحون الحزبيون في «التيار الوطني الحر»ّ معمودية المرحلتين الأولى والثانية من آلية اختيار المرشحين الذين سيخوضون الاستحقاق النيابي، بأقلّ الصراعات الممكنة، باستثناء جزين على سبيل المثال حيث لا تزال المعارك مستعرة بين النائب زياد أسود والنائب السابق أمل أبو زيد.
وبمعزل عن مدى جديّة الاستطلاعات التي أجريت في المرحلتين، ومدى تمتعها بمعايير علمية وشفافة، إلا أنّ «الغربالين» لم يأتيا بأيّ نتائج استثنائية أو مفاجئة لتقديرات الرأي العام والمواكبين للحالة العونية، حيث توجّهت المرحلة الأولى من الاستطلاعات إلى الجمهور العوني الذي يحمل بطاقة حزبية، فيما توجهت المرحلة الثانية إلى الجمهور المؤيد لـ»التيار». ويفترض أن تتوجه المرحلة الثالثة والأخيرة إلى الجمهور الأوسع بعد اضافة ترشيحات صديقة أو حليفة إلى قوائم المرشحين الحزبيين الذين تصدروا المرحلتين الأولى والثانية.
ومع أنّ معظم الأسماء الحزبية التي ستخوض المعركة باسم «التيار الوطني الحر» الذي يتّجه إلى تبنّي عدد من الترشيحات يتناسب مع التقديرات لعدد الحواصل الانتخابية التي سيكون باستطاعة «التيار» تأمينها، منعاً لتشتيت الأصوات والاقتتال بين الحزبيين، وذلك خلافاً للاستراتيجية التي اتبعت في الانتخابات الماضية حين فلشت الترشيحات الحزبية على معظم المقاعد المسيحية كافة، إلا أنّ قيادة «التيار» لم تقرر بعد كيف ومتى ستقدّم هذه الترشيحات للرأي العام، مع أنّ المهل الانتخابية باتت ضاغطة ويفترض بالحزب أن يتوجه مباشرة للناخبين، من خلال ترشيحات رسمية تحاكي القواعد على نحو واضح ومركز، خصوصاً وأنّ «التيار»، كغيره من الأحزاب، يعاني من تراجع في حضوره الشعبي وسيكون عليه مضاعفة جهوده لاقناع الناس بالمشاركة أولاً بالانتخابات، والتصويت لمرشحيه ثانياً.
ويفترض وفق بعض العونيين أن تنتهي المرحلة الثالثة في غضون أسبوعين للانطلاق في الحملات الفعلية على الأرض، حيث يتردد أن معيار اختيار الحلفاء سيكون إمّا على أساس مدى قدرة الحليف على رفد اللائحة بأصوات اضافية، وإما أن يكون وجهاً مقبولاً من الرأي العام، والأرجح وجهاً نسائياً.
وجاء في التعميم الذي صدر في 31 تشرين الأول المنصرم، أنّه خلال «المرحلة الثالثة، يتم اختيار المرشحين والمرشحات وفقاً للتحالفات ولاستطلاعات الرأي العام وبقرار من الرئيس بعد التشاور مع المعنيين في التيار».
صحيح أنّ رئيس الحزب جبران باسيل ترك لنفسه الورقة الأخيرة الحاسمة، التي تتيح له رسم خريطة الترشيحات كما يريد، تحت عنوان «التحالفات» التي قد تفرض اقصاء أي مرشح حزبي لمصلحة مرشح حليف، لكن واقع «التيار»، المتردي شعبياً والذي يتخبط بأزماته الداخلية، ينزع منه هذا «الترف» في خلط الأوراق في اللحظات الأخيرة، فيما تحوّل بعض النواب الحزبيين، والقياديين ذوي الحضور الشعبي، حاجة انتخابية لا يمكن تجاوزها… لا بل إنّ بعضهم يهدد بخوض معركة «كسر» التيار اذا ما تمّ استبعاده!
هكذا، يمكن القول إنّ الترشيحات الأساسية لـ»التيار» باتت معروفة، وهي على الشكل الآتي:
عكار: أسعد درغام (الأول في المرحلة الأولى) وجيمي جبور (الأول في المرحلة الثانية).
البترون- الكورة- زغرتا: جبران باسيل، جورج عطالله، بيار رفول أو فايز كرم.
كسروان- جبيل: ندى البستاني وسيمون أبي رميا.
المتن: ابراهيم كنعان وإدي معلوف (ترشيح ملحم رياشي خلق اشكالية حول المقعد الكاثوليكي)، وبانتظار أن يحسم الياس بو صعب موقفه.
بعبدا: ألان عون.
عاليه: سيزار أبي خليل.
الشوف: غسان عطالله (دعم الاشتراكيين للنائب نعمة طعمة يطرح علامة استفهام حول مصلحة العونيين في التركيز على المقعد الكاثوليكي اذا لم يكن مضموناً، كذلك يثير عدم تمثيل منطقة الدامور اشكالية ثانية).
زحلة: سليم عون.
بيروت الأولى: نقولا الصحناوي.
جزين: زياد أسود (الأول في المرحلة الثانية) أو أمل أبو زيد (الأول في المرحلة الأولى)
رسالة الى سماحة السيد حسن نصرالله تنقل بعض الهواجس ودعوة الى “مبادرة ما” في ظل حال الجنون المدمر الحالي.. تفادياً لما هو أعظم وأخطر على ديمومة لبنان.
“سماحة السيد حسن نصرالله المحترم،
ترددتُ كثيراً قبل كتابة هذه الكلمات لاعتبارات عدة. كوني أعرف جيداً ومسبقاً أن الانتقادات لن توفرني، فبعضهم قد يعتبرني “ساذجاً، وغير مدرك تماماً لتعقيدات تركيبة الداخل ومتجاهلاً عمق الامتدادات للخارج”، والبعض الآخر ـ من موزعي شهادات الوطنية ـ قد يسارع إلى إطلاق شر الاتهامات من “العمالة” و”التبعية” إلخ.. وبالتالي الدخول في مهاترات ومناكفات ومزايدات لا جدوى منها.
لذلك لا بد من التعرف على كاتب هذه السطور وسيرته قبل التوقف عند الدوافع إلى كتابتها وأسباب التوجه إلى سماحتكم في هذه الرسالة الشخصية وفي هذا الوقت بالذات.
من هو كاتب هذه السطور؟
لم أُعرِّف يوماً عن نفسي كما أفعل هنا، ذلك أنني لست في معرض المباهاة بالذات، بقدر ما أرغب بتفهم الموقع الذي أنطلق منه في رسالتي وعلى أي أساس بنيت مسيرتي الشخصية والمهنية.
محطة أولى:
في صيف 1972، قررت قيادة الجيش اللبناني أن تستبدل لطلاب شهادة البكالوريا ـ القسم الثاني المخيم التدريبي العسكري الصيفي ـ تتويجاً لدروس التدريب خلال الأعوام الدراسية في المرحلة الثانوية ـ بمخيم تنموي في مختلف المحافظات اللبنانية، وذلك بهدف تحقيق الانصهار الوطني للطلاب، إضافة إلى التدريبات العسكرية، والقيام بانشطة إنمائية وإجتماعية خصوصاً في القرى اللبنانية النائية. وشاءت المصادفة، وأنا تلميذ الفرير ثم الرهبان في جونية، أن يكون المركز الذي سألتحق به في المدرسة الرسمية في محافظة الجنوب وفي.. بلدة البازورية بالتحديد! (وهي مسقط رأسك والقرية المحببة إليك يا سماحة السيد).
لقد ظنّ بعض رفاقي أن كوني إبن ضابط عضو في مجلس قيادة قوى الأمن الداخلي سأطلب إعفائي من هذه المهمة أو أقله نقلي إلى مكان ما قريب من جبل لبنان، وبالتالي إمكان اصطحابهم معي! لكن خيبتهم كانت كبيرة، فلا والدي عرض عليّ هذا الأمر ولا أنا طلبت “واسطة” في هذا الإتجاه.
وعلى رغم الظروف الصعبة المحيطة بتلك المهمة، فقد رأيت فيها تجربة مفيدة وغنية جعلتني أتحسس الواقع التنموي الصعب لهذه المنطقة المحرومة والذي لم يؤثر على الشعور الوطني لأهلها المحافظين على طيبتهم وتمسكهم بانتمائهم إلى أرضهم.
محطة ثانية:
في العام 1973 وبعد التحاقي بكلية الحقوق في جامعة القديس يوسف في بيروت، شاركت في معترك الإنتخابات الطالبية وتمكنت مع زميل لي (تعرض لاعتداء يومها) من الفوز في صفنا في السنة الأولى. واللافت للإنتباه أننا خضنا هذا الاختبار من خلال تيار “مجموعة مستقلة” في وقت كانت الانتخابات في الجامعة اليسوعية تتم بين أبناء وأهل البيت الواحد، أي الأحزاب المسيحية والكتل المناطقية. المفارقة الكبرى وهي سابقة، أن هذه المجموعة المستقلة استطاعت أن تُوصل إلى رئاسة تعاونية طلاب كلية الحقوق طالباً في السنة الرابعة وهو مسلم سني بيروتي!
محطة ثالثة:
في العام 1976، عندما اشتد الحصار على الفلسطينيين في مخيم تل الزعتر نظم الصليب الأحمر الدولي، بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني، عملية كبيرة ومعقدة وخطرة لإجلاء الجرحى والمدنيين المتقدمين في السن والنساء والاطفال. وقد استعان الصليب الاحمر بشباب فرقه العاملة في الاسعاف الاولي. يومها، جاءت تحذيرات وتهديدات الى شباب “المنطقة الشرقية” (المسيحية) من أي مشاركة في العملية تحت طائلة البقاء في “المنطقة الغربية” إذا إنتقلوا إليها مع من يتم اجلاءهم إلى هناك. وكنت من ضمن المجموعة الصغيرة التي لم تأبه لتلك التحذيرات. وكانت المفاجأة أنني تلقيت بعد مدة رسالة شخصية من مدير العمليات في الصليب الأحمر الدولي في جنيف للتهنئة على “مشاركتي الفعالة” في ما وصفها “أدق وأخطر عملية قامت بها مؤسسة الصليب الأحمر الدولي منذ زمن بعيد”. وبعدها بأعوام طويلة ولدى تسلمي مهامي كمدير لاذاعة مونت كارلو ومستشار رئيس اذاعة فرنسا الدولية تمكنت من بث برامج الاذاعة على موجة الـ”اف. ام.” في الأراضي الفلسطينية من خلال عملية التفاف قانوني وعدم المرور بالسلطات الاسرائيلية (لانها تملك سلطة الوصاية على البث المرئي والمسموع) عبر توقيع الاذاعة اتفاق تعاون مباشر مع جامعة بيرزيت التي كان لها ترخيص بموجة خاصة بها. مما اغضب الاسرائيليين فامتنعوا عن استقبال أو عقد أي إجتماع مع رئيس مجلس إدارة الإذاعة تعبيراً عن امتعاضهم وسخطهم من تجاوزهم.
محطة رابعة:
في العامين 2000 (تحرير الجنوب اللبناني) و2006 (صد العدوان الإسرائيلي على لبنان)، قمت من موقعي الاعلامي المتقدم بواجبي المهني إضافة إلى إلتزامي الوطني غير آبه بتحفظات البعض وانتقادات البعض الآخر.
هذا “النفس الممانع والمنتفض” لديَّ متجذر في جيناتي العائلية، فمنذ أعوام قرأت لأحد كبار المؤرخين لحقبة لبنان التاريخية المواكبة لـ”ثورة طانيوس شاهين” أن الأخير إعتمد خلال تنظيم حركته على مجلس أركان وكان أحد أجدادي وأحمل اسمه (بشاره غانم) من بين هؤلاء الأركان منتدباً من مدينة جونية!
لماذا كل هذه التفاصيل التي قد يراها البعض مملة أو في غير موقعها؟
أوردت ذلك فقط للقول إن مواقفي الحاضرة تبقى مطبوعة في تجربتي الماضية واقتناعاتي الحالية وهي التي تسيِّر تطلعاتي المستقبلية.
لماذا الكتابة الآن والتوجه مباشرة الى سماحتكم؟
إن سرعة الإنهيار في لبنان، إضافة إلى تداعياته المتعددة الأبعاد، من جهة، والتمسك بالانتماء لهذا الوطن والخوف على ضياعه كنموذج مميز في هذا الشرق، كل ذلك جعلني ألجأ الى “سلاح” الكلمة، وهو الحيازة الوحيدة التي أُحسن استعمالها، وبالتالي الدخول في مغامرة الكتابة لعل وعسى تكون هناك “أعجوبة ما”.. وأنا الإنسان المؤمن بربه ووطنه.
لا صفة لي في التوجه إلى سماحتكم إلا من موقعي كمواطن يريد نقل ما يصل إليه من همس وهواجس. لذلك، وجدت نفسي أخاطبكم مباشرة وبصراحة من دون موارابة ولا مراوغة ولا واسطة، فأنت يا سماحة السيد، كما يردّد كثيرون “صاحب الحل والربط.. والكلمة الفصل”.
والمصارحة تكون بتسمية الأشياء بأسمائها وسرد الوقائع على حقيقتها انطلاقاً من أن الكذب المستمر والتكاذب المشترك أوصلا الوطن إلى ما وصل إليه في يومنا هذا.
من حيث الأسلوب:
في التعاطي؛ تصرفات كثيرة تراكمت ومواقف متعددة تزايدت محدثة شرخاً واسعاً داخل مكونات المجتمع اللبناني بكل طوائفه ومذاهبه وانتماءاته، فلغة التعالي والاستقواء والتحدي ولّدت شعوراً متعاظماً يمتزج فيه السخط والاشمئزاز والأخطر البغض والحقد والكراهية. وكأن التوق إلى الطلاق أصبح لدى شريحة كبيرة من أبناء الوطن الواحد.. أبغض الحلال!
إقرأ على موقع 180الدولة كلها.. يعني كلها
من حيث المضمون:
1 – أبعد من ضجيج بعض أصحاب المصالح الضيقة والأبواق المشبوهة والغيارى المتملقين، هل بلغتكم، سماحة السيد، أصداء هذه المعاناة الشعبية الموجعة والمذلة والمهينة القابلة في أي وقت للانفجار الداخلي والاستغلال الخارجي؟ صدقاً، كل صواريخ الأرض لن تنفع في تجنيب وطن متهالك حرباً خارجية مدمرة ولا اقتتالاً داخلياً بغيضاً، لا سمح الله؟
2 – هل سمعتم يا سماحة السيد تهديدات صدرت عن شخصية دينية قريبة منكم ودعوتها الى من لا يجاريها في رأيها ولا يعجبها سلوكها ان يبحث عن حل آخر.. هل هو الرحيل أو التهجير أم ثمة نظرية “قبع” لم نتعرف عليها بعد؟
3 – هل سمعتم يا سماحة السيد بالتصنيفات التي أطلقتها شخصية حزبية وازنة وهي تفرّق بين أبناء الوطن الواحد؛ بين “أسياد” وكأن الآخرين، باتوا بالمقابل، من صنف “العبيد”. تمنى كثيرون وأنا منهم، لو أن تلك الشخصية حافظت على وقارها أولاً وأظهرت نفس العنفوان في مواجهة “أسياد المال والفساد” القابضين على أنفاس العباد وأملاكهم وودائعهم؟
4 – هل سمعت يا سماحة السيد صرخة ابناء بيئتك وأهل بيتك بلسان المواطن “محمود” (عرّف عن نفسه كمقاوم) وقد إختار أن يرفعها عالياً وبجرأة ومباشرة عبر أثير قناتكم المحببة (المنار) حيث علّق على برنامج كان يُبث على الهواء ويتعلق بنقاش أحد رجال الدين عن حلاقة الذقن إن كانت حلالاً أو حراماً. لقد قال هذا المواطن بحرقة ووجع ظاهرين في مداخلته: “مع احترامي لهذه البرامج الحلوة التي نحبها ونتثقف دينياً فيها، الشخص الموجود في بيته الآن بلا كهرباء وبلا مازوت وبلا اكل وبلا دواء حلال او حرام، الذي سرق مصرياتنا بالبنوك حلال او حرام، يلي بيعمل فينا هيك حلال او حرام، تنكة البنزين باربع مئة الف حلال او حرام، أريد ان اسأل هل وصول سعر الدولار الى 33 ألفاً حلال او حرام، ما بدنا نشتغل الآن بالذقن. نحلقها او لا نحلقها هيدي امور لما تكون الناس عايشة، الناس عمتموت من الجوع، وحطوا برامج تتثقفوا الناس كيف بدها تعيش وكيف تبقى على قيد الحياة بعدين منفكر اذا منحلق دقنا او لا نحلق. وانا محمود… من هذا الشعب انا مقاوم قد العالم كلها. ماتت العالم، اختنقت العالم، انسرقت العالم، ما حدا بيحس بالفقير الا الفقير، الغني ما بيشعر بحدا”.
5 – هل بلغتكم يا سماحة السيد تصرفات بعض المتهورين وأصحاب الرؤوس الحامية الذين يتحركون بفظاظة وبفوقية وبفائض قوة في غير محله، فيترجمون ذلك اعتداءً على الممتلكات وكأن “طريق القدس” تمر، حسب هؤلاء، في بعض البلدات والقرى اللبنانية، وتحديداً المسيحية؟
وللتذكير فقط: المدارس والأديرة والمنازل والعائلات في هذه المناطق المسيحية بالذات فتحت أبوابها وقلوبها بعفوية للنازحين من مناطق العدوان الاسرئيلي في حرب تموز 2006، والتخوف كبير من أن تترك مثل هذه التصرفات جرحاً موجعاً وشرخاُ عميقاً بين أبناء المنطقة الواحدة والوطن الواحد.
6 – هل سمعتم يا سماحة السيد احاديث الجاليات اللبنانية المنتشرة في منطقة الخليج العربي (إضافة إلى افريقيا) التي تُعبّرعن قلقها وتخوفها المتعاظمين من الهجمة الاسرائيلية في هذه البلدان ومنافسة اللبنانيين في أعمالهم ومشاريعهم ومصالحهم؟
رحم الله العميد ريمون اده، “المقاوم الأول والأشرس للعدو الإسرائيلي” والذي يمثل في نظره “الخطر الأكبر على كيان لبنان وديمومته”. وهو الذي كان يدعو اللبنانيين الى مطالعة وقراءة كتابات ومذكرات زعماء الصهيونية من بن غوريون الى موشيه شاريت وهو يحذر من الاطماع الاسرائيلية ليس فقط بالارض والمياه اللبنانية بل ايضاً بثروة لبنان البشرية من خلال مخططاتها الهادفة الى مزاحمة المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية، إضافة إلى ضرب الانتشار اللبناني في المنطقة العربية والحلول مكانه.
واستعيد هنا ما قاله العميد اده قبل حوالي أربعين عاماً: “لماذا نسيء الى علاقاتنا العربية، وجميعنا يعلم ان مصلحة لبنان هي مع الدول العربية، سواء أحببنا هذه الدول ام لم نحبها! أنا على يقين أن اللبناني عموماً والمسيحي والماروني خصوصاً سيكتشف يوماً مصلحته وأطماع اسرائيل بمنافسة لبنان. منذ العام 1952 قلت في مجلس النواب إن اسرائيل تريد أن تحل محل لبنان في المنطقة. وأن تجعل من حيفا بديل بيروت. وتريد أن تتصالح مع الدول العربية عبر لبنان. ونتحوّل نحن الى قرية صغيرة“.
وتابع العميد اده :”اللبناني إما أن يكون مرتبطاً ببلاده كلها، وليس بمنطقة، وإلا فإن الأوضاع لن تتغير. التغيير يجب أن يكون من أعلى الى تحت. ويجب أن يبدأ بالحكم والحاكم. الحاكم يجب أن يكون موثوقاً به، وكي يكون موثوقاً به، يجب أن يكون لبنانياً مئة في المئة. ومن دون هذا لن تكون هناك ثقة. ولن ينتهي الوضع التقسيمي والطائفي في البلد. أما الحكم فيجب أن يكون قوياً وسيداً على أرضه، ولا يقبل منافساً له في السيادة بقوة السلاح. فالسلاح يجب أن يبقى حكراً على مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية. وأي وجود مسلح خارج ذلك سيقود حتماً الى فشل الحكم في بسط القانون“.
سماحة السيد،
القرار قراركم. يكفي ان ترفع ليس يدك فحسب بل اصبعك وتحسم خيارك وتصارح شعبك: اي جمهورية تريد؟ اي دولة تريد؟ اي لبنان تريد؟.. انها لحظة حقيقة ووقفة ضمير أمام الله والتاريخ.
وأنا أكتب هذه السطور، والوطن يعيش وسط حالة من الجنون الشامل داخل الطبقة السياسية والمنظومة المالية والمتجه بلبنان نحو “الجحيم المدمر”، أسترجع كلمات اغنية باتت انشودة شهيرة لفنان ملتزم ومغني فرنسي كبير هو ميشال ساردو، الذي أمام رؤية بوادر إنهيار امبراطورية الإتحاد السوفياتي من الداخل وتردي أوضاعها المزرية في الثمانينيات الماضية، أطلق أغنيته (كلماتها وتوصيفاتها تحاكي الواقع اللبناني اليوم) بلازمتها الشهيرة باللغة الفرنسية ومتوجها بها الى قائد الثورة البلشفية فلاديمير ايليتش لينين:
لاحظت مصادر متابعة أن تغييراً طرأ على خطاب النائب جبران باسيل بعد لقائه أمين عام حزب الله حسن نصرالله، لجهة تكرار مهادنة رئيس مجلس النواب نبيه بري وانتقاده المحقق العدلي القاضي طارق بيطار، بحسب خفايا “نداء الوطن”.
على صعيد الموازنة، ما حمله المشروع الذي تمّ توزيعه على الوزراء، يشير إلى ضرورة استعداد اللبنانيين لمتغيّرات كبيرة في الأسعار التي ستفاجئهم في الخدمات العامة، والإدارات، والوزارات، خصوصاً أنّ الموازنة تتضمّن زيادة نسبة الرسوم والضرائب، واعتماد سعر صرف بين 15 ألف و20 ألف ليرة للدولار، بالإضافة إلى رفع أسعار الخدمات بشكل كبير. موازنة تفترض تحويل جلسات مجلس الوزراء، ومجلس النواب بعدها، إلى ساحات للاشتباك المالي والسياسي والشعبوي، خصوصاً أنّه يستحيل على قوى سياسية تريد المشاركة في الانتخابات النيابية الإلتزام بمثل هذه الأرقام وإقرارها.
الخبير الاقتصادي، جاسم عجاقة، سأل في حديثٍ لـ”الأنباء” الإلكترونيّة عن، “طريقة تمويل المساعدات التي ستقرّها الحكومة، فمن أين ستأتي الأموال، إن كان سيتمّ الاعتماد على قروض خارجيّة من البنك الدولي، أم أنّها ستعتمد على طبع المصرف المركزي لمزيد من العملة، وبالتالي يكون هو المموّل؟”
وفيما لم تُظهر المسودة التي تمّ توزيعها إشارة صريحة لسعر الصرف، فالسؤال يُطرح حول أيّ سعر صرف سيتمّ اعتماده؟ وهل سيكون هناك تعدّد في أسعار الصرف؟
“سعر الصرف أمر أساسي” يؤكّد عجاقة، ويضع عدّة احتمالات لما يمكن أن يحصل وللتداعيات، إذ يُشير إلى أنّه “في حال تمّ رفع سعر الصرف ستكون لذلك تداعيات اقتصاديّة واجتماعيّة. وفي هذه الحال أيضاً ستزداد الكلفة على الشركات، سواء من ناحية الضمان الاجتماعي والرسوم وغيرها، وبالتالي هذا يؤدي إلى ضعف في قدرة الشركات. وعلى صعيد المواطنين، رفعُ الدولار تلقائياً سينعكس ارتفاعاً في الأسعار، وبالتالي انخفاضاً في القدرة الشرائية”.
الاحتمال الثاني، يقول عجاقة، “هو في حال عدم اعتماد سعر موحّد في الموازنة، فسيتمّ رفع الأسعار بطرق مختلفة (دولار جمركي، ودولار للاتصالات، ودولار للـTVA وغيرها) ويصبح هناك عدّة أسعار، وهذا الأمر غير صحّي. ولكن في غياب اتفاق مع صندوق النقد الدولي فإنّ اعتماد سعر موحّد في الموازنة يعني أنّه يجب خلق توازن معيّن بين الشقّ الاجتماعي – الاقتصادي وعجز الموازنة”.
هذا ويشدّد عجاقة على أنّه من الضروري معرفة كيف سيتمّ التصرّف لسدّ العجز، والفارق بين النفقات والإيرادات، خاتماً: “يجب أن نرى الرؤية الاقتصاديّة وما إذا كانت خطة التعافي ستُترجم في الموازنة”.
عادات استهلاكية كثيرة غيّرتها الأزمة وأودت بها إلى غير رجعة على ما يبدو. «طبشة» الميزان صارت من الماضي، و«الدكنجي» بات كـ«الجوهرجي» يبيع بالغرامات وبـ«الفلت»: بـ 1000 ليرة سكر، وبـ 2000 ليرة لبنة، وبـ 5000 ليرة زيت تعادل 77 غراماً من «الذهب الأصفر» في كيس بلاستيكي! فيما البيض يُباع بـ«الحبّة» (البيضة الواحدة بـ3000 ليرة)، مع إقبال على «الخبز السوري». وهذا له قصة أخرى. إذ إنه خبز لبناني يوضّب في أكياس لا تحمل اسم فرن ولا شعاره، وتحتوي على 10 أرغفة صغيرة وسميكة بدل 6 أرغفة رقيقة وكبيرة. هذه «الترويقة» لأسرة متوسطة، مع علبة سجائر من الأرخص سعراً، تصل إلى أكثر من 50 ألف ليرة ما يجعل، بحسبة بسيطة، كلفة الفطور فقط، أكثر من مليون و500 ألف ليرة شهرياً، أي ضعف الحدّ الأدنى للأجور… من دون احتساب كلفة الغاز.
«لحم البقر بالكاد يباع اليوم…»، يجيب صاحب «ملحمة» في البقاع، مع ابتسامة ساخرة، لدى سؤاله عن سعر كيلو لحم الغنم. ويضيف: «كنت أبيع يومياً ذبيحة بقر (عجل كبير) وواحدة أو اثنتين من الغنم. اليوم، أتشارك مع لحّامين اثنين ذبيحة واحدة من البقر كل يومين أو ثلاثة». بعدما كانت «السودة» و«الفتيلة» و«الكاستاليتا» يُحجز عليها مسبقاً، خصوصاً في نهاية الأسبوع أو الأعياد، أصبحت اليوم حكراً على الميسورين، «وحتى هؤلاء يشترونها اليوم بكميات». اليوم، «بعض الزبائن ممن كانوا يستهلكون ما معدله كيلوغرام من اللحم يومياً يطلبون نص وقية (100 غرام) وأحياناً ربع وقية. ومن يشعر بالحرج منهم يبدّل الوزن بالسعر كأن يطلب لحمة بـ15 ألف ليرة أو 20 ألفاً، أو يرسل أحد أبنائه إلى الملحمة».
حال تجّار الجملة ليست أفضل. أحد هؤلاء في بلدة بر الياس البقاعية التي اشتهرت تاريخياً بأنها منطقة بيع بالجملة، يؤكّد لـ«الأخبار» أن هناك أصنافاً من المواد الغذائية اختفت تماماً، وحلّ مكانها ما تغيّر مصدره واسمه. بدائل بجودة أقل بكثير وبأسعار أرخص بقليل. قلما يسأل الزبون، مثلاً، عن صنف محدد من «المايونيز» أو «الكاتشاب»، و«حين يسأل ويعرف السعر يتراجع يشتري الأرخص». وأضاف: «بعض ما كنا نبيعه بكميات كبيرة كالمكسّرات أصبح الطلب عليه نادراً. من كان يطلب الكاجو والفستق الحلبي بات اليوم يكتفي ببزر دوار الشمس، أما ما يُضاف إلى الأكل كالصنوبر واللوز فلم نعد نقتنيه أصلاً ولا نسمع أحداً يلفظ اسمه»، لافتاً إلى أن «غالبية زبائننا أساساً من الموظفين وأبناء الطبقة المتوسطة».
لفتت مصادر التيار الوطني الحر عبر “الأخبار” إلى أن أداء الرئيس ميشال عون المواكب لوجهة التيار شكل ضغطاً على حزب الله ودفعه إلى مراجعة حساباته، لا سيما أن علاقة الحزب مع رئيس الجمهورية والتيار اتخذت منحى سلبياً في الأشهر الأخيرة. فقيادة التيار كانت قد تلقت وعداً من الحزب بأن تعاود الحكومة عملها في الأيام الأولى من العام الحالي، إلا أن ذلك لم يتحقق، الأمر الذي اضطر رئيس التيار جبران باسيل إلى التصعيد في وجه الحزب، بالتزامن مع رفض رئيس الجمهورية توقيع أي موافقات استثنائية حتى لو كانت تعنى بأوضاع موظفي القطاع العام للضغط من أجل عقد جلسة حكومية لإقرارها.
ولفتت مصادر التيار إلى أن الرئيس عون وقف في وجه عرقلة سعد الحريري المتعمدة لتشكيل الحكومة سابقاً، وعمل على تشكيل حكومة بجدول أعمال متفق عليه مسبقاً من إقرار خطة التعافي المالي إلى مفاوضة صندوق النقد إلى العمل على إقرار الإصلاحات لإنجازها في نهاية عهده، لا للدخول في عرقلة متعمدة مشابهة للأشهر التسعة التي فرضها تكليف الحريري. لذلك، حصلت مفاوضات مع حزب الله في هذا الشأن، مقترنة بتحولات محلية وخارجية حمّلت الحزب مسؤولية تعطيل عمل المؤسسات وعدم البت بالملفات الملحة، فكان من الضروري إعادة الحكومة إلى الحياة، خصوصاً أن عمل المحقق العدلي في جريمة انفجار المرفأ تعطّل عملياً ولا حاجة إلى قرارات خاصة كالتي كانت مقترحة من الثنائي.
استبعد قائد الجيش العماد جوزف عون، في تصريحات لافتة، انهيار المؤسسة العسكرية في بلاده بعدما دأب منذ أكثر من عامين على التحذير من هذا المنزلق، في خطوة قالت أوساط سياسية لبنانية إنها جاءت بعد تلقيه تطمينات دولية بذلك.
وذكرت أوساط لبنانية أن تغيّر خطاب قائد الجيش من التحذير المتكرر من مغبة انهيار المؤسسة العسكرية إلى القول بأن هناك سيناريو للتعامل مع الأسوأ يشي بتغيّر التعامل الدولي مع متطلبات الجيش اللبناني من تقديم مساعدات عينية من أكل وشرب وملابس إلى توفير التمويل المباشر لرواتب العسكريين.
وأشارت تلك الأوساط عبر “العرب اللندنية” إلى أن من شأن هذا التغيّر أن يحيّد تماما الجيش اللبناني عن تداعيات الأزمة الاقتصادية ويضمن له مواصلة أنشطته دون صعوبات ودون مخاطرة.
وقال عون خلال حديثه إلى الضباط في اجتماع استثنائي عقده في اليرزة (مقر القيادة) شرق بيروت الأربعاء “الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد ستطول”، لكنّه أشار إلى وجود “سيناريوهات لمواجهة الأسوأ”.
وأضاف “إنّها أزمة ستمر، مررنا من قبل بظروف صعبة وتجاوزنا الأمر، فلا توجد أزمة إلا ووراءها فرج، المهم أن نصمد أمام هذه العاصفة إلى حين انتهائها”.
وأشار إلى أنّه “طلب مساعدات مادية للعسكريّين لكنّ الأمر اصطدم بمعوّقات قانونية ودستورية (لم يوضحها) لدى الجهات المانحة ويتمّ العمل على إيجاد حلول لها”.
وتنامى الاستياء في صفوف الجيش اللبناني بسبب انهيار العملة، الذي أدى إلى إلغاء أغلب قيمة رواتبهم. وانخفضت قيمة الليرة اللبنانية 90 في المئة منذ أواخر 2019، في انهيار مالي يشكل أكبر تهديد لاستقرار لبنان منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990.
ويفرض الانهيار الاقتصادي ضغوطا غير مسبوقة على القدرات العملياتية للجيش، مما يؤدي إلى القضاء على قيمة رواتب الجنود وتحطيم معنوياتهم. ويعرّض هذا التدهور للخطر أحد مراكز القوى القليلة التي توحد اللبنانيين في وقت تتصاعد فيه التوترات الطائفية ومعدلات الجريمة وسط ارتفاع شديد في نسب الفقر.
وينظر إلى الجيش اللبناني منذ فترة طويلة على أنه مؤسسة تمثل نموذجا نادرا يجسد الوحدة والفخر الوطني. وأدى انهيار الجيش في بداية الحرب الأهلية عندما انقسم وفقا لانتماءات طائفية إلى تسريع انزلاق لبنان نحو سيطرة الميليشيات.
ويخشى المجتمع الدولي من أن تتسبب الأزمة الاقتصادية الحادة في تفكك الحصن الأخير لأمن اللبنانيين في ظل أجندات داخلية وخارجية تتربص باستقرار البلاد.
وكثفت القوى الدولية مؤخرا، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، دعمها العسكري واللوجستي للجيش اللبناني؛ وذلك لعدة اعتبارات على رأسها تعزيز سيادة الدولة ومنع انهيار آخر حصن لأمن اللبنانيين، إلا أن الدعم الغربي موجه أيضا لمواجهة تنامي القدرات العسكرية لحزب الله التي قد يستغلها لفرض أجنداته الداخلية والإقليمية.
ويرى محللون أن الاندفاعة الغربية لانقاد الجيش اللبناني من الانهيار ستظل غير كافية إذا بقيت مقتصرة على المساعدات المالية العينية، مطالبين بضرورة تسريع المساعي الدولية لتوفير تمويل مباشر لرواتب العسكريين والأمنيين.
وأشار هؤلاء إلى أن انهيار المؤسستين العسكرية والأمنية يضع لبنان تحت سطوة الميليشيات التي تمتلك ترسانة كبيرة من الأسلحة تفوق إمكانيات ما لدى القوى اللبنانية الحاملة للسلاح.
وتتطلع الدول الغربية، بحسب مراقبين، إلى دور أكبر للمؤسسة العسكرية اللبنانية؛ بغية ترجيح كفة الردع العسكري للدولة في مواجهة تنامي قدرات حزب الله، بما يساهم في منع أيّ ضغوط من الأخير لتحقيق مصالح سياسية في الداخل اللبناني أو تجاه ملفات إقليمية.
وقال مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن إدارة جو بايدن ترغب في تفعيل قدرات الجيش اللبناني للتصدي لحزب الله واحتواء نفوذ إيران في لبنان.
وأوضح المسؤول أن الإدارة الأميركية تدرك ان طهران تؤدي دورا فاعلا ومؤثرا في لبنان عبر تنظيم حزب الله، وهي بالتالي ستبقى متمسكة بنفوذها في هذا البلد على الرغم من التقارب الممكن حصوله على مستوى المحادثات غير المباشرة مع طهران والمتعلقة بملفها النووي.
وأكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتريش، الذي أدى زيارة استغرقت ثلاثة أيام إلى لبنان انتهت الأربعاء على استمرار الدعم الدولي للجيش اللبناني وباقي المؤسسات الأمنية، معتبرا ذلك “أساسيا لاستقرار لبنان”.
وحث غوتريش بعد لقائه الرئيس اللبناني ميشال عون “كل الدول الأعضاء على زيادة دعمها والاستمرار فيه”.
وأفادت مصادر لبنانية مؤخرا بأن عدد الفارّين من الخدمة في الجيش اللبناني تجاوز عتبة الخمسة آلاف بين ضباط وعسكريين، بينما لامس العدد خمسمئة في قوى الأمن الداخلي وتجاوز العشرات في بقية الأجهزة الأمنية.
وتأتي هذه الأرقام التي لا تزال غير مقلقة، ولكنها مرشحة للارتفاع، في وقت تزداد فيه المخاوف من انهيار كبير للمؤسسة العسكرية والأمنية في حال قررت الحكومة اللبنانية السماح بتسريح العسكريين من الخدمة للضغط على المصاريف الحكومية الشحيحة.
بعيداً عن التفاصيل التقنية وزحمة الأرقام، يسأل المواطنون: ماذا يعني أن ترفع وزارة المال سعر الصرف الرسمي بالتنسيق مع مصرف لبنان، من 1507 ليرات إلى 3 آلاف أو 6 ستة آلاف أو حتى 8 آلاف؟
الجواب السريع على هذا السؤال يُختصر بأنّ هذا الإجراء يرتّب على المواطنين اللبنانيين جملة من الأعباء المالية الإضافية، سيتكبّدها المواطن بشكل أوتوماتيكي، ولن تكون بحاجة إلى أيّ تشريع أو قرار يصدر عن وزير أو وزارة أو عن مجلس وزراء أو مجلس نوّاب.
أن يرتفع سعر صرف الدولار الرسميّ يعني التالي بحسب “أساس”:
أوّلاً، أنّ عقود الإيجار السكنية والتجارية المسعّرة بالدولار الأميركي وليس بالليرة اللبنانية، ستعتمد التسعيرة الجديدة التي يحدّدها مصرف لبنان مهما كانت، وأنّ العقود القائمة على مبدأ التراضي بين المالكين والمستأجرين وفق تسعيرة 3900 قد لا تصلح بعد اليوم، وقد تعيد فتح جدل بينهما مجدّداً (أغلب المالكين يطالبون اليوم باحتساب قيمة الإيجار على سعر 8000 ليرة بموجب التعميم 601، مع العلم أنّ وظيفة هذا التعميم مختلفة، ولا علاقة لها بالإيجارات).
ثانياً، أنّ القروض السكنية الخاصة أو القروض الشخصية أو قروض السيارات المحرّرة بالدولار الأميركي، سيكون أصحابها مطالبين بدفع قيمتها وفق السعر الرسمي الجديد. ولم يعد ممكناً دفعها كما في سنتيْ الأزمة الماضيتين على سعر 1507 ليرات.
ثالثاً، أنّ المكالمات الهاتفية الخلوية والمكالمات الأرضية الدولية وتكاليف الإنترنت لدى هيئة أوجيرو (الشركات الخاصة أعلنت أنّها مطلع السنة ستعتمد دولار 8000 ليرة للفوترة) ستُحتسب على السعر الرسمي الجديد، وكذلك بطاقات تشريج الهواتف الخلوية المسبقة الدفع، التي كانت تُحتسب على الدولار الرسمي القديم. مثلاً بطاقة الـ22 دولاراً سيرتفع سعرها إلى 80 ألف ليرة في حال اعتُمد رقم 3000، وإلى 140 ألف ليرة على رقم 6000 ليرة.
رابعاً، أنّ جميع العقود المحرّرة لدى كتّاب العدل بالدولار ستُستوفى رسومها على التسعيرة الجديدة بطبيعة الحال، وهذا أيضاً سيُطبّق على عقود البيع العقارية بالدولار التي ستستوفي وزارة المال والدوائر العقارية رسومها وفق السعر الجديد.
خامساً، أنّ الودائع الدولارية المحتجزة في المصارف، والتي كان يُسمح بسحبها من الحسابات المصرفية بلا سقوف على سعر 1507 ليرات، يمكن سحبها اليوم، كما جرت العادة، لكن على التسعيرة الرسمية الجديدة، وهي بخلاف تسعيرة التعميم 601 الجديد الذي رفع سعر الدولار المصرفي من 3900 إلى 8000، وحُدّد سقف السحوبات بموجبه بـ3000 دولار شهرياً فقط.
سادساً، أنّ ما يزيد على 90% من السلع الموجودة في السوق سترتفع أسعارها بشكل كبير جداً، لأنّ أغلبها مستورد من الخارج، ورسومها الجمركية والضريبة على القيمة المضافة كانت تُحتسب على سعر 1507 ليرات لبنانية في السابق، وستُحتسب اليوم على التسعيرة الجديدة، أيّاً كانت، وهذا سيرتدّ على المستهلك النهائي الذي هو في هذه الحال المواطن اللبناني.
سابعاً، أنّ سعر الأدوية وسعر المشتقّات النفطية والمحروقات سيرتفع أيضاً، لأنّ الرسوم التي تتقاضاها الدولة اللبنانية، مثلما تفعل مع سائر السلع، مقرّشة على دولار 1507 ليرات أيضاً، وسترتفع مع ارتفاع السعر الرسمي.
ثامناً، رسوم تسجيل الآليات هي الأخرى سترتفع نحو ضعفين أو أكثر لأنّ رسومها الجمركية تُحتسب بحسب سعرها الأصلي، أي بالدولار الأميركي.
نشرت “المدن مقالاً للصحافية جنى الدهيبي، تحت عنوان “عسكري ينتحر ليلة الميلاد: الاكتئاب اللبناني القاتل”.
وجاء في المقال تتوالى أخبار الانتحار في لبنان، ولا تمضي أيام قليلة إلا بتسجيل حالات جديدة تُضاف إلى قائمة من أنهوا حياتهم. ومع اختلاف دوافع الانتحار بين ما هو شخصي وعوامل أخرى مرتبطة بالأزمة الحادة التي تعيشها البلاد، ثمة ما يستدعي القلق، لجهة الصحة النفسية ومخاطر الضغوطات الشخصية والعامة التي يعيشها اللبنانيون.
وهكذا، يصبح الانتحار بديلًا تلقائياً للاستسلام أو مصارعة الأزمات، بصرف النظر عن طبيعتها.
وفي حادث مأسوي جديد، أقدم أحد العناصر في قوى الأمن الداخلي على قتل نفسه، في بلدة المنية شمالي لبنان. وتفيد معلومات “المدن” أن العنصر المنتحر، وهو شاب متزوج وأبّ، يعاني منذ فترة من حالة اكتئاب شديدة، نتيجة ظروف عائلية خاصة، دفعته أخيرًا للإقدام على الانتحار.
وفيما لا تربط المعطيات بين انتحار العنصر وظروفه الاقتصادية الصعبة، لكن حالته تضيء على مخاطر معاناة العكسر والعناصر الأمنيين، إذ يعيش معظمهم ظروفًا مأساوية واضطرابات هددت تماسكهم الأسري، كأحد نتائج تداعيات الأزمة الاقتصادية التي دمرت قدراتهم الشرائية وجعلتهم من الفئات الذين يعيشون فقرًا مدقعًا.
وتأتي حالة عنصر القوى الأمنية، بعد أقل من أسبوع على خبر انتحار شاب يبلغ 23 عامًا في الجنوب، راميًا نفسه من الطابق السابع، وتاركًا رسالة أحدثت ضجة كبيرة، إذ أرفقها بعبارة “سامحني يا أبي، الموت مرة واحدة أفضل من الموت كل العمر”؛ وغيره الكثير من الحالات المأساوية.
عمليًا، تظهر أرقام قوى الأمن الداخلي أن حالات الانتحار تراجعت بنسبة قليلة بين عامي 2019 و2021. ففي العام 2019 سجل 170 حالة انتحار، ثم انخفضت الى 150 حالة في 2020، وفي العام 2021 حتى شهر تشرين الثاني الفائت، انخفضت إلى 132 مقابل 136 الفترة نفسها من العام الماضي.
لكن هذه الأرقام، لا تعني أبداً أن ظاهرة الانتحار تتراجع في لبنان، أو لم تعد خيارًا للمضطربين نفسيًا.
وللتذكير، أعلن مؤتمر “كسر الصمت حول الانتحار” الذي نظمه البرنامج الوطني للصحة النفسية ومنظمة الصحة العالمية وجمعية “امبرايس” (Embrace)، في منتصف الشهر الحالي، أن شخصاً واحداً على الأقل ينتحر في لبنان كل 48 ساعة، وعدد من انتحروا خلال 11 عامًا، بلغ نحو 1.366 فردًا.
وأشار المؤتمر حينها أن حالات الانتحار في لبنان ارتفعت 35% منذ عام 2016، وأن الأعطاب السياسية والاقتصادية والبطالة والعنف، شكلت بيئة خصبة للاضطرابات النفسية التي أنتجت نحو 90% من حالات الانتحار؛ وأن نحو 63٪ من طالبي الدعم النفسي تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً.
ويبدو أن الانتحار يأتي بعد بلوغ مرحلة يأس شديدة وقاسية. وفي حديث لـ “المدن”، تشرح هبة دندشلي، مسؤولة التواصل والإعلام في جمعية “امبرايس” التي تعنى بالصحة النفسية، بعض دوافع الانتحار التي تتشابك بين عوامل مباشرة وغير مباشرة.
وتقول أن الفرد حين يمر بأزمة كبيرة، يكون لديه غريزة التمسك بالحياة، تجعله يصارع المشاكل ويتحدى الظروف للاستمرار والبقاء على قيد الحياة. وهذا ما وصل إليه الفرد في لبنان، “إذ صار بعد الأزمة في حالة ملاحقة دائمة لعمله وقوت يومه، وهو ما يزيد بدوره الاضطرابات النفسية بشكل هائل”.
وتلفت دندشلي أن جمعيتهم لمست ذلك من خلال أعداد الاتصالات التي يتلقونها، طلباً للدعم النفسي، وقد تجاوزت 6 آلاف اتصال مع بداية العام حتى شهر آب. وهي أرقام كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة.
وتشير أن الاضطرابات النفسية، ليست مرتبطة فقط بالأوضاع التي وصل إليها لبنان، بل هي أحد العوامل المؤثرة. لأن هناك عوامل أخرى موجودة عند الشخص، ترتبط بتكوينه وحياته الشخصية. وقالت إن هذه الاضطرابات، “يقابلها شعور أن العدالة مفقودة في لبنان، إضافة إلى اضطرابات ما بعد الصدمة، وكلها عوامل تعزز دوافع الانتحار وأرضيته”.
وتعتبر أن الأوضاع الاقتصادية تندرج في خانة الدوافع غير المباشرة للانتحار، لكنها ذات أثر بليغ جداً.
وتوضح دندشلي أن فترة الأعياد الراهنة، وخلافًا لما يظنه الناس أنها فترة للراحة والتلاقي، تكون مصحوبة بضغوط نفسية كبيرة جدًا في ظل الأوضاع الراهنة، ما يعزز الحاجة لمتابعة الصحة النفسية للأفراد.
وتدعو المسؤولة الناس للاتصال على خط الحياة 1564، وهو الخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار، بالتعاون مع البرنامج الوطني للصحة النفسية.
وختمت: “من يجد أنه غير قادر على تحمل تكاليف العلاج النفسي، يمكن أن يلجأ لجمعيتنا على الأرقام الموجودة لدينا والعلاج النفسي يكون مجانيًا”
بسبب قرار مصرف لبنان وقف تمويل مدفوعات «أوجيرو» وشركتي الخليوي، سواء لاستجرار الإنترنت أو لأي مدفوعات تشغيلية أخرى، سيكون قطاع الاتصالات أمام خيارين مُرّين: رفع تعرفة خدمات الاتصالات على المستهلكين أو تمويل الأكلاف الإضافية من الخزينة، أي أن يكون فرق الكلفة بمثابة دعم، علماً بأن الخزينة لا يمكنها تحمّل مثل هذا الأمر.
فمنذ أسابيع، قرّر المجلس المركزي لمصرف لبنان تحويل الدولارات التي يطلبها قطاع الاتصالات (أوجيرو وشركتا الخليوي) لتمويل عقود أشغال ومواد وسلع مستوردة على سعر منصّة صيرفة، ما ضاعف مرات عدّة الأكلاف التشغيلية للقطاع. في ضوء هذه التطوّرات، عقدت لجنة الإعلام والاتصالات النيابية جلسة أمس للبحث في الأكلاف التشغيلية للقطاع، وفي مقدمها تأمين المحروقات لمحطات الاتصالات المستعملة من الشركتين وهيئة أوجيرو.
في ما يتعلق بشركتي الاتصالات، أشار رئيس اللجنة النائب حسين الحاج حسن بحسب “الأخبار” إلى أن الشركتين تشتريان المازوت بالليرة من منشآت النفط على سعر صيرفة، وأن المنشآت تحوّل المبالغ المقبوضة بالليرة إلى دولارات نقدية من خلال مصرف لبنان، مقرّاً بأن ذلك لم يلغ المشكلة الأساسية المتعلقة بارتفاع فاتورة المحروقات على الشركتين. واقتصر النقاش في الجلسة على تداول حلول مرحلية غير محسومة النتائج، كإجراءات تقنية وفنية سيدرسها وزير الاتصالات جوني قرم لخفض كلفة المحروقات.
أما في ما يتعلق بـ«أوجيرو»، فقد تبلّغت أمس من غالبية مورديها عدم تسليمها المحروقات اللازمة للسنترالات. وتشير مصادر «الأخبار» إلى أن «الموردين يرفضون تطبيق العقود ما لم تتضح آلية الدفع وقيم المبالغ، خصوصاً أنهم باتوا يعتبرون عقودهم خاسرة ولا شيء يجبرهم على التنفيذ». وأشارت المصادر إلى أن «أوجيرو طالبت بسلفة عاجلة من وزارة المالية بقيمة 65 مليار ليرة تكفي لشراء المحروقات حتى نهاية شباط المقبل، تفادياً لاحتمال انقطاع الإنترنت خلال عشرة أيامٍ كحدٍ أقصى إذا لم تؤمّن الاعتمادات اللازمة بالليرة». هنا تتخوّف المصادر من رفض رئيس الجمهورية توقيع المراسيم الجوالة، معتبرة ذلك «عقبة إضافية».
نفقات الهيئة بالدولار لا تقتصر على المحروقات، إذ إن لديها عقوداً لشراء مستلزمات تتعلق بالصيانة والتشغيل كالكوابل الكهربائية وقطع الغيار بقيمة 61 مليون دولار سنوياً أي ما يعادل 92 مليار ليرة على سعر صرف 1507. وإذا وافقت «أوجيرو» على تسديد هذه المستحقات على سعر صيرفة نزولاً عند رغبة «المركزي»، سترتفع الكلفة إلى نحو 1300 مليار ليرة، أي أنها ستكون مجبرة على اقتراح مضاعفة الكلفة على نحو 800 ألف مشترك لتغطية الفرق في الكلفة التشغيلية.
صحيح أنه في الأسبوع المنصرم، أقرّت الهيئة العامة لمجلس النواب قانوناً بمنح «أوجيرو» 350 مليار ليرة إضافية للقيام بأعمالها، إلا أن القانون لم ينشر بعد في الجريدة الرسمية، بل تستبعد المصادر دخوله حيّز التنفيذ قبل شهر شباط. ومن اليوم إلى حينه تصف الفترة بـ«الخطرة».
وفي السياق نفسه، أوقف مصرف لبنان تحويل الدولارات إلى الخارج لاستجرار الإنترنت من باب الضغط لتطبيق قراره. علماً بأن المطلوب دفع 400 ألف دولار فقط، والشركات الموردة لن تنتظر ابتداع الحلول في بلدٍ لا يريد مسؤولوه رفع تعرفة الخدمات بخلفية شعبوية انتخابية، ولا قدرة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة على لجم الدولار، ولا قدرة للحكومة على لجم سياساته النقدية السيئة، ولا قدرة لها أيضاً على التفتيش عن حلول حقيقية.
برأي رئيس لجنة الاتصالات يفترض لجم «هروب مصرف لبنان إلى الأمام»، ودعوته إلى تحويل الدولارات اللازمة للإنترنت. لكن أعضاء اللجنة لم يكونوا على موجةٍ واحدة، بل برزت وجهة نظرٍ أخرى تقول إن «تحميل المسؤولية لمصرف لبنان وحده أمر مرفوض، وقد لا يكون اقتراح الحاج حسن صائباً في ظل الحاجة إلى خطّة اقتصادية واضحة من الحكومة وخطط لكل قطاع على حِدة تعدل بين المواطن والشركات، فمجلس النواب لم يعد يستطيع فعل شيء».
وتطرّقت اللجنة إلى زيادة كلفة تعرفة الاتصالات بكل جوانبها، فتمنى الحاج حسن «عدم الذهاب إلى جيوب المواطنين بل تحفيز الاقتصاد». وجرى التأكيد على أن السعر الرسمي لبطاقات التشريج ما زال على حاله. لكن عجز اللجنة يتبدّى في أنها أوكلت لوزير الاتصالات وشركات الخليوي ملاحقة ومتابعة أي وكيل يزيد السعر من تلقاء نفسه ليحقّق أرباحاً غير مشروعة. علماً أنه يمكن الوزارة أن تقوم بهذه الملاحقة من دون تمنّ.
إذا كانت شركتا «ألفا» و«تاتش» و«أوجيرو» تعاني من النفقات الكبيرة المرتبطة بسعر الدولار، والمواطن بدوره يعاني من تدهور القيمة الشرائية لعملته، فما الحل؟ حتماً ليس ما خلص إليه رئيس اللجنة المعنية بالقطاع اليوم بتصريحه: «ليتفضل المسؤولون ليعالجوا هذا الموضوع من جذوره وليس بالقشور».
تخوّف من أن يطول إضراب موظفي الخليوي
بدأ موظفو الخليوي إضراباً مفتوحاً أول من أمس رفضاً لخرق عقد العمل الجماعي الموقّع بينهم وبين شركتي «ألفا» و«تاتش» ووزارة الاتصالات من خلال عدم زيادة درجة الاستشفاء والطبابة التي يحصلون عليها من درجة أولى إلى درجة ثانية. ونتج من ذلك توقف كل عمليات خدمات الزبائن وإقفال المتاجر، كما توقف الموظفون عن تسليم بطاقات التشريج، وأحجموا عن القيام بكل أعمال الصيانة على الشبكات.
حضرت مطالب الموظفين وإضرابهم أيضاً على جدول أعمال لجنة الاتصالات، لكن النقاش فيها انتهى بالطلب من وزير الاتصالات جوني قرم، ومن مديري الشركتين، تكثيف الحوار مع مجلس نقابة مستخدمي وموظفي الخليوي للوصول إلى حل، خوفاً من أن تطول فترة الإضراب وتعطيل الشبكة.
وكان لمجموعة «وعي» بيان حول الموضوع اعتبرت فيه أنه وإن «كانت أسباب الإضراب مفهومة، إلا أن ظروف التفكير بإمكانية استمرار حصولهم على امتيازات في مثل هذه الظروف هو تفكير غير واقعي وغير عقلاني، ليس فقط لأننا نعيش في ظل انهيار مالي واقتصادي فقط، بل لأن إدارة قطاع الخليوي باتت للدولة والقطاع العام الذي لا يستفيد موظفوه من امتيازات مماثلة. وأن هناك معياراً أساسياً واحداً لمقاربة أوضاع القطاع وتحدياته، وهو الحرص على إنجاحه في ظل الدولة وإدارة القطاع العام. وكل عمل لا يصب في هذا السياق، ويؤدي إلى خلق صعوبات وعراقيل إنما يؤدي خدمة لأباطرة المال الذين ينتظرون لحظة الانقضاض على القطاع لنهشه».
عشية عطلة الأعياد الممددة حتى 10 كانون الثاني المقبل، يعود التشكيك بإمكان الرجوع إلى التعليم الحضوري في المدارس الخاصة، إن بسبب كورونا أو الوضع الاقتصادي المأزوم. ويطل «التعليم عن بعد» برأسه من جديد، مع كل ما يحمله هذا الخيار من انطباعات سيئة لدى الأهل، بالنظر إلى فشل التجربة في السنتين الماضيتين والكارثة التي حلت بالمستويات التعليمية من جهة، والاعتراض على دفع قيمة القسط نفسها لقاء خدمة «أونلاين» من جهة ثانية. ولفتت “الأخبار” أن بعض المدارس أرسلت فعلاً استبيانات للأهل لجس النبض حول العودة إلى التعليم «أونلاين» من دون أن تكون قد اتخذت قراراً نهائياً بهذا الشأن، إنما كتدبير استباقي في حال تطور الوضع الصحي كما جاء في الاستبيان. مدارس أخرى التزمت العطلة الرسمية التي حددتها وزارة التربية، مع «التدريس عن بعد» في بعض أيامها، أو تمديدها احترازياً لأسبوع إضافي تحسباً لخطر الإصابات الناتجة من السفر خلال الأعياد. وعلى رغم أن إدارات كثيرة شكت في الفترة السابقة من الأعباء التشغيلية التي رتبتها الأزمة، وأنها تعجز عن إعداد موازناتها السنوية المقرر تسليمها في نهاية كانون الثاني، فهي تخشى أن تعلن أي طرح يمكن أن يقود الأهل إلى مقاطعة دفع الأقساط، وإن كان بعضها لا يخفي الصعوبات الموضوعية للتحول «أونلاين»، لا سيما، بصورة أساسية، عدم توافر الكهرباء في بيوت الطلاب والأساتذة.
التلطي وراء حجة كورونا لا يبدو منطقياً اليوم، بالاستناد إلى أعداد الإصابات «غير المخيفة» في المدارس، وآراء الخبراء الصحيين الذين يرون أن «الجو العام للفيروس لا يفرض علينا الإغلاق». وفي اتصال مع «الأخبار»، سأل رئيس اللجنة الوطنية لإدارة لقاح كورونا عبد الرحمن البزري: «كيف يمكن أن نفتح البلد ونقفل المدارس؟ وأين سيكون الأولاد خلال العطلة؟ وهل المطاعم والأسواق أكثر أماناً من المدارس؟». وأشار البزري إلى أن مقاربة الواقع المدرسي يجب أن تنطلق من هدف الحفاظ على العام الدراسي، وحماية الطلاب والمعلمين والأهالي مرتبطة بشكل أساسي بنسبة المناعة المجتمعية، بالتالي فإن الحل لكل المخاوف ليس الإغلاق، إنما ازدياد الإقبال على التلقيح والالتزام بالتعليمات والتوجيهات الوقائية.
معظم الأهل مقتنعون بأن أبناءهم لم يكتسبوا شيئاً خلال التعليم «أونلاين». يقولون إن «المستوى التعليمي للأولاد متأخر صفين دراسيين بالحد الأدنى، والوضع لم يعد يحتمل المزيد من التخريب لمستقبلهم». يبدي البعض قلقه من عدم تمكن أبنائهم من اجتياز العام الدراسي بنجاح بسبب الفجوة في المعارف والمعلومات التي حققوها. آخرون لم يترددوا في ترجيح كفة التعليم «ولو كلف الأمر التضحية بالصحة».
التذرع بالمصاريف التشغيلية حجة مردودة من الأهالي لا سيما في المدارس التي فرضت دفع مبالغ من خارج الموازنة بالـ «فريش» دولار، أو تلك التي أخذت سلفاً «غلاء معيشة». ومن المدارس من بدأ يتقاضى القسط الثاني قبل موافقة لجنة الأهل على الموازنة.
رئيسة اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة، لمى الزين الطويل، قالت إن «استغلال موضوع كورونا للتحول إلى التعليم أونلاين مرفوض، فالأهل يدفعون القسط والزيادات لقاء تعليم حضوري ذي جودة، وأي قرار يتجاوز الأهل ولجان الأهل سيؤدي إلى التوقف عن دفع القسط، إذ لن نتحمل في التعليم الخاص وزر فشل السلطة السياسية في إدارة القطاع الرسمي».
الإدارات أبدت ارتياحها للعطلة الطويلة علها تكون فرصة كافية لحسم خياراتها، وإن كان بعضها يقر بأنه لا مجال للمقارنة بين الإنتاجية في التعليم الحضوري والإنتاجية في التعليم «أونلاين»، والمدارس صرفت الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام لتلمس ما حققه التلامذة في العامين الماضيين، واكتشف بعضها أنه يحتاج إلى العودة صفين إلى الوراء. «ما عم نلحق ناخد نفس»، يقول أحد المديرين، مشيراً إلى أن دفع الست درجات للأساتذة وبدل النقل الجديد أوقعنا في عجز مادي بالنظر إلى الارتفاع الجنوني لأسعار المحروقات ويمكن أن يهدد استمرارية المدرسة.