بلوق الصفحة 29

بين التصعيد والعقيدة: قراءة واقعية في خيارات «الحزب»

كتب الدكتور نوفل نوفل:يُستخدم “خيار شمشون” في الأدبيات الإسرائيلية للدلالة على خيار تدميري أخير، يُقدِم فيه الطرف المهدَّد على إسقاط الهيكل فوق رأسه ورؤوس خصومه عندما يشعر بأن الهزيمة باتت حتمية. في المقابل، تقوم العقيدة الشيعية على مفهوم مختلف جذرياً، يرتكز على التضحية والثبات والاستشهاد دفاعاً عن الحق، لا على منطق تدمير الجميع مهما كان الثمن.

وانطلاقاً من هذا التمييز، يبرز السؤال: هل يمكن لـ«الحزب»، بوصفه حزباً عقائدياً، أن يذهب إلى خيار مشابه، خصوصاً في ضوء مواقف وتصريحات تصعيدية صدرت عن بعض مسؤوليه، وآخرهم محمود قماطي؟

عملياً، تبدو هذه الفرضية بعيدة. فالقوة العسكرية لـ«الحزب» تأسست أساساً على تكتيكات حرب العصابات ومواجهة الجيوش النظامية عبر مجموعات قتالية مرنة، لا على إدارة دولة أو السيطرة على بنى رسمية مكشوفة كالمرافئ ومصادر الطاقة والمؤسسات المركزية. كما أن مواجهة إسرائيل شيء، والدخول في مواجهة شاملة مع الدولة اللبنانية والبيئة الداخلية شيء آخر أكثر تعقيداً وكلفة.

ثم إن «الحزب» اعتمد طوال السنوات الماضية مقاربة أقرب إلى نموذج الحرس الثوري في إيران، أي التأثير من داخل مؤسسات الدولة لا الانقلاب الكامل عليها. لذلك، فإن أي لجوء إلى “خيار شمشون” بالمعنى التدميري سيكون أقرب إلى فعل انتحاري سياسي وشعبي، وغير مضمون النتائج على الطائفة الشيعية أولاً، وعلى لبنان كله ثانياً، وهو ما يتناقض مع منطق الصبر والتراكم والبعد العقائدي الذي لطالما شكّل جزءاً من هويته.

ارتفاع جديد ومتواصل بأسعار المحروقات!

سجّلت أسعار المحروقات في لبنان ارتفاعاً جديداً وفق التسعيرة الصادرة عن نقابة أصحاب محطات المحروقات.

وجاءت الاسعار على الشكل الآتي:

بنزين 95: 2289.000 (+73000)
بنزين 98: 2330.000 (+73000)
مازوت : 2122.000 (+71000)
الغاز: 1803.000 (+58000)

خاص-وزير الصحة في جبيل

علم موقع “قضاء جبيل” أن وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين سيقوم بجولة تفقدية بعد ظهر  اليوم تشمل عدداً من مراكز الإيواء والرعاية الصحية الأولية في قضائي جبيل كسروان في إطار متابعة الأوضاع الصحية والإنسانية والاطلاع على جهوزية هذه المراكز.

ومن المقرر أن تتضمن الجولة المحطات التالية:ثانوية المعيصرة الرسمية،مركز الإمام زين العابدين للرعاية الصحية الأولية-كسروان ،روضة جبيل الرسمية المختلطة، مركز السلامة الأهلي للرعاية الصحية الأولية – جبيل، ثانوية جبيل الرسمية، مركز طبابة قضاء جبيل للرعاية الصحية الأولية.

لمشتركي “ألفا”.. خطة طوارئ وهذه تفاصيلها

في ظلّ الحرب القائمة وما تفرضه من ضغوط غير مسبوقة على البنية التحتية لقطاع الاتصالات، علم “لبنان24” أن شركة “ألفا” سارعت إلى تفعيل خطة طوارئ متكاملة تهدف إلى الحفاظ على استمرارية الخدمة وضمان الحدّ الأقصى من الجهوزية التشغيلية.

وبحسب المعلومات التي حصل عليها “لبنان24″، فقد ارتكزت هذه الخطة، على مراقبة أداء الشبكة على مدار الساعة، من خلال فرق تقنية متخصصة تعمل بنظام الاستجابة السريعة للتعامل الفوري مع أي خلل أو تراجع في جودة الخدمة، بالتوازي مع تنسيق يومي ومباشر مع وزارة الاتصالات لمواكبة التحديات المتسارعة.

ويتمثّل التحدي الأبرز في الظروف الراهنة بتأثير الأوضاع الأمنية على استمرارية عمل الشبكة، لا سيما في المناطق المصنّفة خطرة، حيث تواجه عمليات تزويد المحطات بالمحروقات صعوبات لوجستية كبيرة، إضافة إلى تعقيدات تنفيذ أعمال الصيانة الدورية والطارئة. وفعلياً، فإن هذه العوامل مجتمعة تضع ضغطاً مباشراً على نسبة توفّر الشبكة واستقرارها.

وتقول المصادر إن “ألفا أعطت أولوية قصوى لتأمين مصادر طاقة احتياطية تضمن استمرار تشغيل محطاتها، من خلال مجموعة إجراءات طارئة، منها على سبيل المثال لا الحصر تأمين مخزون إضافي من المحروقات، إلى جانب تعزيز المحطات العاملة على مصادر الطاقة البديلة، كذلك استخدام حلول بديلة حيث أمكن، بما يخفّف من تأثير انقطاع التغذية الكهربائية ويضمن بقاء الشبكة عاملة لأطول فترة ممكنة، خصوصًا في المناطق الحساسة”.

كذلك، اعتمدت ألفا، وفق مصادرها، مجموعة من الإجراءات التقنية والحلول الموقتة، شملت إعادة توزيع الموارد وتعزيز التغطية في المناطق المتضررة، بما يضمن استمرار الخدمة. كما عملت على زيادة السعات التشغيلية في المحطات الواقعة ضمن المناطق التي تشهد حركة نزوح كثيفة، بهدف استيعاب الطلب المتزايد على خدمات الاتصالات وتفادي الاكتظاظ الشبكي.

وفي سياق تعزيز استمرارية التواصل، جرى توسيع وتفعيل خدمة التجوال المحلي للتخابر الصوتي والانترنت National Roaming ، مما أتاح للمشتركين الاستفادة من الشبكة الخليوية الأخرى متى تعذّر الاتصال بشبكة ألفا في بعض المناطق، بما يضمن بقاء خطوط التواصل مفتوحة في مختلف الظروف.

وعمدت الشركة، بحسب المعلومات، إلى اعتماد مقاربة استباقية في إدارة الطلب على الخطوط والخدمات، من خلال تأمين كميات كافية من الخطوط والبطاقات المسبقة الدفع بما يتلاءم مع أنماط الاستهلاك المتغيرة وارتفاع الحاجة إلى الاتصال في الظروف الراهنة، لضمان استمرارية التزويد في السوق ومنع أي انقطاع قد يعيق وصول المشتركين إلى الخدمة في اللحظات الحرجة.

أيضاً، أولت الشركة اهتماماً خاصاً باستمرار العملية التعليمية، من خلال إطلاق مبادرة داعمة للتعليم عن بُعد عبارة عن باقة الـ 20GB، تأكيداً على دورها الاجتماعي في هذه المرحلة الدقيقة، وحرصها على تمكين الطلاب والأساتذة من متابعة مسارهم التعليمي رغم التحديات.

يُشار إلى أن فريق عمل ألفا وُضع منذ اللحظة الأولى للحرب في أعلى درجات الجهوزية للتدخل متى سمحت الظروف الميدانية، بما يعكس المسؤولية الوطنية للشركة في الحفاظ على شريان تواصل أساسي في زمن الأزمات.

دار الفتوى: الجمعة أول أيام عيد الفطر

صدر عن دار الفتوى البيان الآتي: لم تثبت لدينا رؤية هلال شهر شوال، وعليه فإنَّ يوم غدٍ الخميس في 19 آذار هو اليوم المكمِّل لعدَّة شهر رمضان المبارك ثلاثين يوماً، ويكون يوم الجمعة في 20 آذار 2026م، هو أول أيام عيد الفطر السعيد لعام 1447ه.

وإننا إذ نهنئ المسلمين بهذه المناسبة المباركة، نسأل اللَّه سبحانه وتعالى أن يتقبّل منهم الصيام والقيام وصالح الأعمال والدعوات، وأن يُعيده عليهم خاصَّة، وعلى اللبنانيين جميعاً بالخير والأمن والطمأنينة، إنه سبحانه وتعالى سميع مجيب.

وكلَّفَ مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان: أمين الفتوى في الجمهورية اللبنانية الشيخ أمين الكردي بأداء صلاة وخطبة عيد الفطر السعيد عند الساعة السادسة والنصف صباح يوم العيد في مسجد خاتم الأنبياء والمرسلين محمَّد الأمين صلَّى الله عليه وسلَّم في وسط بيروت التجاري.

ويعتذر مفتي الجمهورية عن استقبال المهنئين بالعيد.

الدجاج متوافر بكميات كافية؟

أعلنت النقابة اللبنانية للدواجن برئاسة وليم بطرس أنّ “قطاع الدواجن لا يزال يعمل بكفاءة عالية، وذلك بعد أكثر من أسبوعَين على اندلاع الحرب وخروج جزء من الوحدات الإنتاجية والمزارع في الجنوب عن الخدمة”.

وأكّدت النقابة، في بيان، أنّ “الدجاج متوافر بكميات كافية، وأنّ الأسعار لا تزال مستقرّة كما كانت عليه قبل بدء شهر رمضان”، مشيرةً إلى أنّه “على الرغم من التحديات التي يواجهها القطاع، فإنه بفضل ما يتمتع به من إمكانات وقدرات إنتاجية، قادر على تلبية الطلب المتزايد، في ظل توجّه عدد كبير من المستهلكين إلى شراء الدجاج كبديل عن اللحوم الحمراء”.

ولفتت إلى أنّ “المنتجين لا يزالون يستوردون الأعلاف من الخارج ويعملون على زيادة مخزونها”، معتبرةً أنّ “هذا الأمر أساسي لتأمين استدامة الإنتاج والمساهمة في الحفاظ على الأمن الغذائي في لبنان”.

كما أعلنت النقابة تضامنها مع مزارعي الجنوب المتضررين، مؤكدةً أنها “ستبقى دائماً إلى جانبهم”.

نداء إلى وزير الطاقة لتخفيض رسوم البنزين

دعا رئيس الاتّحاد العام لنقابات عمال لبنان مارون الخولي، وزير الطاقة والمياه جو الصدّي إلى “اتّخاذ قرار عاجل بتخفيض الرسوم المفروضة على صفيحة البنزين بقيمة 360 ألف ليرة لبنانية،  وهي الزيادة التي أقرّها مجلس الوزراء حديثاً، وذلك مراعاةً للظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي يعيشها اللبنانيون”.

أوضح الخولي، في بيان، أنّ “لبنان يمرّ بمرحلة بالغة الدقة، في ظلّ تفاقم معدلات الفقر واتساع رقعة التهجير الداخلي الذي يطال شرائح واسعة من المجتمع، في وقتٍ تجاوز فيه سعر صفيحة البنزين مستويات غير مسبوقة، متخطياً عتبة 25 دولاراً، الأمر الذي انعكس مباشرة على كلفة النقل وأسعار السلع والمواد الأساسية، وفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين”، معتبراً أنّ “من واجب وزير الطاقة إعادة النظر في هذه الرسوم، والذهاب إلى تخفيضها بما لا يقل عن 360 ألف ليرة لبنانية، انسجاماً مع الموقف الذي اتخذه الفريق السياسي الذي يمثّله داخل الحكومة، والذي تقدّم بطعن أمام المجلس الدستوري اعتراضاً على هذه الزيادة”.

ورأى أنّ “اتخاذ خطوة التخفيض يشكّل إجراءً عملياً يساهم في تخفيف الضغوط الاقتصادية عن المواطنين ويحدّ من موجة الغلاء المتصاعدة في الأسواق”، لافتاً إلى أنّ “مثل هذه الخطوة ليست سابقة في الحياة الحكومية، مذكّراً بأنّ وزير الطاقة الأسبق جبران باسيل كان قد اتخذ قراراً مماثلاً بخفض الرسوم استجابةً  للحملة التي قام بها الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان حينها ، الأمر الذي أعطى آنذاك إشارة إيجابية للأسواق وللمواطنين على حد سواء”.

كما أكّد أنّ “أي سياسة اقتصادية مسؤولة في هذه المرحلة يجب أن تنطلق من مبدأ حماية القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً الفئات الأكثر تضرراً من تداعيات الأزمة الاقتصادية، ما يتطلب قرارات سريعة وجريئة تضع المصلحة الاجتماعية فوق أي اعتبارات أخرى”.

وختم الخولي: “نطالب بإلحاح واصرار ومن منطلق الشعور بالتضامن الطبيعي بين الدولة وشعبها، بخفض هذه الرسوم فوراً، ولا سيما أنّ الدولة لم تقم أساساً بتحويل هذه الرسوم إلى مستحقيها من الموظفين والمتقاعدين، الأمر الذي يجعل استمرار فرضها على المواطنين عبئاً غير مبرّر اقتصادياً ولا مقبولاً اجتماعياً”.

نقابة المحرّرين: نُدين أي تهديد أو ترهيب يطاول أي صحافي أو إعلامي

عقد مجلس نقابة محرري الصحافة اجتماعًا برئاسة النقيب جوزيف القصيفي وحضور الأعضاء. 

بحث المجتمعون، وفق بيان، في “الأوضاع العامة في البلاد وفي ضوء تطور الحرب عليها وفيها ووقوع مئات الشهداء، وآلاف الجرحى، والدمار الواسع والممنهج لمدن وبلدات وقرى لبنانية، بالاضافة إلى شؤون نقابية ومهنية”.

وشدد على “إدانة الاعتداءات الاسرائيلية التي تجاوزت المحظور وإدانة ما تعرض له الصحافيون والاعلاميون والمصورون من استهدافات مباشره بالاضافة الى التنديد بكل تهديد وتعد جسدي أو معنوي أو ترهيب من اي نوع أو تدبير جائر يطاول أي صحافي أو إعلامي أو مؤسسة إعلامية إلى أي جهة انتمت، واستنكار مثل هذه التصرفات من أي مصدر أتى”.

ودعا مجلس النقابة “الزميلات والزملاء والوسائل الاعلامية كافة الى العمل على ترشيد التخاطب الاعلامي والابتعاد عن كل ما يثير النعرات ويؤجج الاحقاد، في وقت يبدو فيه لبنان أحوج ما يكون إلى أوسع تضامن داخلي”.

وحيّا “الزميلات والزملاء الصحافيين والاعلاميين والمصورين الذين يعملون في غمرة الأخطار، ويواجهون الصعاب، خصوصا من يقتضي عملهم التحرك ميدانيا، ودعاهم إلى توخي أقصى درجات الحذر، واتخاذ كل تدابير الحيطة الممكنة”.

وأعرب عن تضامنه معهم واعتزازه بالدور الذي يضطلعون به.

بيان من الأمن العام… هذه التفاصيل

صدر عن مكتب شؤون الإعلام في المديرية العامة للأمن العام البيان الآتي: 

“تعلن المديرية العامة للأمن العام عن تمديد العمل بتقديم التسهيلات الإضافية للرعايا السوريين والفلسطينيين اللاجئين في سوريا للمغادرة عبر المراكز الحدودية البرّية من دون إستيفاء رسوم ودون إصدار بلاغات منع دخول بحقهم وذلك لغاية 30/06/2026 ضمناً.

كما تعلن المديرية عن تمديد العمل “بتسوية أوضاع العاملات والعمال الأجانب المخالفين لنظام الإقامة” و “ضبط أوضاع اليد العاملة السورية في لبنان” وذلك لغاية 30/06/2026 ضمناً”.

لمزيد من التفاصيل يمكن زيارة  موقع المديرية العامة للأمن العام على الإنترنت:

Website www.general-security.gov.lb

Instagram https://www.instagram.com/dgsglb

Facebook https://www.facebook.com/DGSGLB

X https://x.com/DGSGLB

أو مراجعة Call Center على الرقم ۱۷۱۷”.

الكلمة للميدان…

على اختلاف وجاهة الأسباب أو هشاشتها، وتعدّد الحجج والتبريرات، المعلن منها والخفيّ، قبل أن يبلغ الصراع تلك اللحظة الثقيلة التي يُقال فيها، ببرودٍ يُشبه الأحكام الأخيرة، إنّ الكلمة قد انتقلت إلى الميدان، يكون العالم قد خسر الكثير بالفعل، وأضعاف ممّا يُرى ويُقال.

لا يحدث ذلك فجأة وسط عصف الصواريخ، بل في صمتٍ سابقٍ بطيء يشبه تسرّب الماء إلى أساسات بيتٍ قديم، حتّى تتعب الجدران وتنهار.

الحروب لا تبدأ يوم تقلع الطائرة الحربيّة الأولى، ولا حين تشقّ القذيفة الهواء. إنّها تشتعل قبل ذلك بكثير، يوم تتهاوى طبقات كاملة من العقل والضمير، طبقةً بعد طبقة، حتى لا يبقى في نهاية الطريق سوى العنف لغةً أخيرة بعد أن تكون اللغات الأخرى قد أُعْدِمت.

في تلك المرحلة المكتومة التي تسبق انفجار الميدان، تتهاوى المعاني قبل الوقائع، ويضيع معها حدُّ المسؤوليّة والسبب، وتترنّح ركائز العمران الإنسانيّ، فيما تتصدّع جموع التجارب والخصائص التي تُعرِّف الوجود وتوجّه طرائق العيش والفهم والمعاناة والأمل في رحم الشرط البشريّ ذاته.

تسقط السياسة أوّلًا حين تتخلّى عن مهمّتها الأسمى في إدارة الاختلاف قبل أن يتحوّل خصومة، وضبط الخصومة قبل أن تنقلب قطيعة، ومنع القطيعة قبل أن تنحدر إلى الكارثة. عندها تكفّ السياسة عن أن تكون فنّ الممكن، وتتحوّل إلى عجزٍ معلن أو إلى لعبة مصالح ضيّقة لا ترى في الشعوب سوى أرقامٍ هامشيّة في دفاتر القرار.

ثمّ تتداعى الدبلوماسيّة حين تفقد روحها. عندما لا تعود جسرًا تعبر عليه الإرادات المتعارضة نحو التسويات، بل جدارًا صلبًا من العناد العبثيّ، تتراكم عليه الكلمات الجامدة والبيانات الخشبيّة. هناك لا تعود اللغة أداة تقريب، بل ستارًا يخفي تصلّب المواقف واستعدادها الخفيّ للانفجار.

وتأتي لحظة يتراجع فيها صوت الحكمة أيضًا، حين يعلو ضجيج الغرائز فوق نداء العقل. يتحوّل القرار العام من فعلٍ مسؤول يوازن بين المخاطر والآمال إلى مقامرة بمصائر الشعوب والبلاد. يصبح المستقبل ورقة على طاولة اللاعبين، وتغدو الأوطان رهينة لحسابات القوّة والهيبة والانفعال.

هكذا، قبل أن يتكلّم الميدان بصوته المدوي، يكون التهاوي قد بدأ بصمتٍ ثقيل. تبتعد السياسة عن معناها، والدبلوماسية عن رسالتها، والحكمة عن مقامها. وعندما تتآكل هذه الحصون الثلاثة، ينهض الميدان ليملأ الفراغ، لا بوصفه خيارًا، بل نتيجةً أخيرة لفشل العقل في حماية الإنسان.

في تلك البرهة، لا يسقط السلام وحده، بل ينهار ما هو أعمق بكثير، ويمسّ صميم الإنسان ذاته. يتصدّع ذلك الاعتقاد الراسخ بأنّه، في ساعة الامتحان الكبرى، قادر على الانتصار على ضعفه وإخفاقه، وأن يرفع العقل فوق الغريزة. ذلك أنّ الحرب، حين تستعر، لا تبقى مجرّد صراعٍ بين قوى متقابلة، بل تتحوّل إلى هزيمةٍ لفكرةٍ إنسانيّةٍ في غاية البساطة والعظمة معًا، تلك التي تراهن على أنّ رجال الدولة في مواقع القرار، إن وُجِدوا، هم مهيّأون ومؤهّلون، في نهاية المطاف، لتسوية نزاعاتهم من دون أن يُحوّلوا الأرض إلى مقبرةٍ مفتوحة، ومن دون أن يكتبوا التاريخ بحبرٍ أسود من الدموع والرماد.

إلاّ أنّه حين تبلغ الأمور هذه العتبة، يدخل العالم طورًا من الانكسار المؤلم. لا تُدوّن فيه بيانات الهزيمة على الورق، بل تُقرأ في ملامح الوجوه، وفي التعب الذي يسكن الأرواح، وفي الخوف الذي يتسلّل إلى البيوت كضيفٍ ثقيل لا يغادر.

إنّه إفلاسٌ أخلاقيّ هادر، يتجلّى في عجز الحكمة عن الإقناع، وقصور السياسة عن تغليب الخير العام، وتأخّر الضمير عن الصراخ حتّى صار صوته همسًا ضائعًا في ضجيج الإنكار والمكابرة.

لذلك، فإنّ المفترق الذي يُقال فيه إنّ الكلمة أصبحت للميدان هو ليس ببداية، بل نهاية؛ ختمٌ بالشمع الأحمر على فرص ضاعت، وعلى مرحلة كان يمكن فيها للعقل أن يتدخّل، وللسياسة أن تفتح نافذة، وللضمير أن يرفع صوته قبل فوات الأوان. وعندها، لا يبقى من الخيارات سوى الصدى المختنق لما كان ممكنًا، وتتبدّد الآمال التي كان يُحتمل أن تصنع فرقًا قبل أن يُكتب ما لا يُمحى.

مع ذلك، يبقى في العالم من يسهر على المعنى، كحراس الليل على دروب الإنسان، رافعين راية السلام بلا كللٍ ولا ملل، حاملين شعلة الأمل وسط الظلام، وراصدين خطوات سنابل القمح لتعود وتنضج مهما غشى الدرب الضباب.

هم يعرفون أنّ الميدان، مهما ارتفع صوته، لا يستطيع أن يقول الكلمة الأخيرة.

هو قادر على تغيير الحدود وحسم المعارك، لكنّه عاجز عن مداواة القلوب، وعن إصلاح ما تهشّم في الروح البشريّة، وعن استعادة ما أضاعته يد الغضب والجنون.

لهذا، يهمس أصحاب الضمائر الحيّة، كلّما سمعوا العبارة الثقيلة “الكلمة للميدان”، بحقيقة يعرفها التاريخ جيّدًا، أنّ الكلمة، مهما غابت، ستعود يومًا. لا بدّ أن تعود…إلى الإنسان.

يعترف هؤلاء أنّ مناجاتهم تنبثق من خارج الزمن والمكان، حيث لا تتحكّم القيود بالواقع، ومع ذلك يظلّون متمسّكين بوعيهم وإيمانهم بالكلمة، رغم كلّ محاولات الميدان لابتلاعها. فالإنسان لا يُبنى إلاّ بالكلمة، ولا يحيا إلاّ إذا أدرك أنّ للحياة قيمةً لا يُسمح لأيّ قوّة أن تمحوها، وأنّ الحقّ في الحياة، لا في الموت، هو ما يميّزه ويصنع إنسانيّته.

الكلمة الأخيرة تبقى دائمًا للإنسان… إذا ما استطاع، بعد كلّ هذا الأفول، أن يستمع إلى صدى الألم، أن يتعلّم من الدمار، أن يرفع الروح فوق الخوف والخذلان، وأن يحمي الحياة بدل أن يكرّر المأساة، فيبني بدل الخراب، ويزرع بدل الرماد، ويضيء حيث عمّ الظلام.