تأتي زيارة وفد صندوق النقد الدولي إلى بيروت خلف مسار واضح بدأ من دافوس، وتحديداً من اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة نواف سلام بالمديرة التنفيذية للصندوق كريستالينا جورجيفا، حيث جرى التوافق على انتقال التواصل من مستوى النقاش العام إلى مرحلة المتابعة التفصيلية على الأرض.
الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة يضع هذه الزيارة في إطارها الصحيح، مؤكداً في حديثه لموقع “قضاء جبيل” أنها تحمل طابعاً عملياً مباشراً، بعيداً عن أي بعد استطلاعي.
بحسب عجاقة، وفد الصندوق سحضر إلى بيروت لمواكبة المسار الإصلاحي والوقوف عند مفاصل دقيقة في الوضع الاقتصادي، خاصة بعد إقرار مجلس النواب موازنة 2026 وإحالة مشروع قانون الفجوة المالية من الحكومة إلى البرلمان.
ويشير إلى أن صندوق النقد بحكم نظامه الداخلي، يقوم عادة بزيارات دورية وفق ما يعرف بالمادة الرابعة، وهي زيارات تنتهي بتقرير رسمي شامل يقيّم الأوضاع المالية والاقتصادية للدولة المعنية، غير أن زيارة بيروت الحالية لا تندرج ضمن هذا الإطار، إذ لا تقرير رسمياً سيصدر عنها وإنما تأتي في سياق اللقاء والتشاور المباشر مع السلطات اللبنانية، ما يعكس اهتماماً استثنائياً بالملفات المطروحة على الطاولة.
التركيز الأساسي للوفد، وفق معلومات عجاقة، ينصب على مشروع قانون الفجوة المالية، وهو ملف بالغ الحساسية تدور حوله ملاحظات جدية داخل أروقة الصندوق، كما تسري في الكواليس اعتراضات واضحة على الصيغة المطروحة لا من حيث المبدأ فحسب، وإنما من زاوية آليات المعالجة، توزيع الخسائر ومدى انسجام المشروع مع المعايير التي يعتمدها الصندوق في برامج التعافي المالي.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فموازنة 2026 بدورها ستكون موضع نقاش، وسط تساؤلات تتعلق بقدرتها على عكس مسار إصلاحي فعلي، ومدى واقعيتها في مقاربة العجز وضبط الإنفاق، وتحسين الإيرادات، بعيداً عن المعالجات الظرفية.
ويخلص عجاقة بالقول: أن أهمية الزيارة تكمن في توقيتها إذ تسبق انطلاق الدراسات التفصيلية داخل صندوق النقد، وتأتي كفرصة أخيرة تقريباً أمام اللجان النيابية والحكومة لإعادة النظر في بعض الخيارات وتصويب المسار قبل الدخول في مرحلة أكثر تعقيداً قد تُقفل فيها هوامش التعديل.

