خمسة أيام مرت على طلب استدعاء القاضية نجاة أبو شقرا كاهن رعية رميش الخوري نجيب العميل للتحقيق معه بتهمة “تهديدها بالجيش الإسرائيلي” كما نُقلَ عنها أو كما “فهمت من كلامه خلال اتصال هاتفي”. وحتى الآن لا يوجد قرار نهائي في القضية .
مصادر في بلدة رميش تؤكد لـ”المركزية” أن جوهر المسألة لا يزال عالقاً بين إصرار القضاء على متابعة الإجراءات، وبين موقف الخوري العميل الذي يؤكد استعداده للمثول متى أمكن تأمين انتقاله”. وهنا تبرز المسألة الأبعد من شخص الخوري العميل.
جذور القضية بحسب المصادر، تعود إلى شكاوى تتعلق بمخالفات بناء في بلدة رميش، شملت أعمالاً أُجريت أمام منازل، من بينها إنشاء شرفات وتركيب قرميد، إضافة إلى تشييد غرفة فوق سطح أحد المنازل من دون ترخيص. فأصدرت النائب العام القاضية جيسيكا شحود إشارة طلبت بموجبها استدعاء المعنيين إلى مخفر رميش والاستماع إلى إفاداتهم وتنظيم محاضر بحقهم إلا أن بعض الأشخاص لم يمتثلوا للاستدعاءات، ما دفع إلى إصدار مذكرات جلب بحقهم، ثم طلب إحضارهم بالقوة بعد تعذّر تنفيذ المذكرات.
عند هذه النقطة، دخل الأب العميل على خط القضية، انطلاقاً من موقعه ككاهن للرعية وحرصه على تفادي أي مواجهة بين أبناء البلدة والقوى الأمنية، فتواصلٍ مع القاضية المعنية طالباً إرجاء تنفيذ الإجراءات إلى حين توافر الظروف المناسبة، نظراً إلى الوضع الأمني الذي تعيشه رميش، حيث لا تزال المنطقة تشهد وجوداً عسكرياً إسرائيلياً ومخاطر ميدانية تجعل أي احتكاك إضافي مصدر قلق للأهالي.
وخلال الاتصال، طرح الأب العميل تساؤلاً عن الجهة التي يمكن اللجوء إليها في حال حصول مواجهة، مستخدماً عبارة”شو بدنا نعمل، نعيّط للإسرائيلي؟ مما اعتبرته شحود كلاماً يحمل طابع التهديد، فانتقل الملف إلى القاضية نجاة أبو شقرا في صيدا التي أصدرت قرار الاستدعاء للتحقيق.
وتنقل المصادر عن الخوري العميل قوله أنه وُجّهت إليه ثلاث طلبات حضور خلال شهر، بمعدل برقية أسبوعياً إلى مخفر رميش، للمثول أمام القضاء في صيدا فكان الرد بأنه لا يستطيع الانتقال إلى صيدا بصورة اعتيادية، لأن الوصول من رميش يتطلب الحصول على موافقات مسبقة، فضلاً عن صعوبة التنقل والعودة في ظل الظروف الأمنية القائمة.
رسائل الإعتراض التي وجهها أهالي البلدة في وقفتهم الإحتجاجية في ساحة كنيسة رميش كانت كافية لوضع النقاط على الحروف، لكن اللافت بحسب المصادر أن أيا من المرجعيات الكنسية لم يصدر بيانا ولم يحضر حتى إلى الكنيسة او إلى منزل الخوري العميل . اكثر من ذلك لم يشارك أي كاهن من رعايا البلدات المجاورة في الوقفة الإحتجاجية وكأن ثمة أمرا من مراجع عليا بعدم المشاركة. وتسأل المصادر هل يجوز أن يستدعى كاهن إلى التحقيق لمجرد أن القاضية فهمت كلامه بطريقة خاطئة ؟وهل إن بناء تصوينة أو جدار في بلدة حدودية يعيش أهلها منذ ثلاثة أعوام تحت النار والخوف وفي ظل ظروف أمنية وإجتماعية وأمنية خطيرة يستدعي إصدار إشارة من قاضية واستدعاء كاهن الرعية في حين أن حفر أنفاق تحت الأرض لا يستوجب إذنا من الدولة؟ وكيف يمكن للدولة أن تطالب سكان القرى الحدودية باحترام القوانين وتنفيذ القرارات القضائية، فيما لا تستطيع تأمين الحد الأدنى من الحماية والمؤازرة الأمنية التي تتيح تطبيق هذه القوانين؟ وكيف يمكن تحميل البلديات مسؤوليات تنفيذية لا تملك الأدوات الأمنية اللازمة للقيام بها؟”.
ولماذا يغض القضاء النظر في مسألة الكلام الذي صدر عن المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان الذي تناول في خطبته رئيس الجمهورية واتهمه بـ الرضوخ لسلطة المال والجهات الدولية عدا عن التهديد المبطن؟ وتختم بالتأكيد على أن الملف سيقفل في غضون أيام باعتبار أن القاضية فهمت كلام الخوري خطأ. لكن هل يحق للقضاء استدعاء كاهن؟
يوضح مرجع قانوني لـ”المركزية” أن الصفة الكهنوتية لا تمنح صاحبها حصانة مطلقة تحميه من المثول أمام القضاء المدني أو الجزائي في لبنان. لكن المسألة أكثر تعقيداً من اعتبار الكاهن مواطناً عادياً في كل الإجراءات، لأن التشريعات الكنسية اللبنانية تتضمن أحكاماً خاصة تتعلق بالاختصاص القضائي للإكليريكيين، فيما يميّز القانون اللبناني بين الحصانة من الملاحقة، والسر المهني، وواجب الإدلاء بالشهادة.
ثلاثة أمور يتوقف عندها المرجع القانوني:حق القضاء في الاستدعاء، حيث لا توجد حصانة عامة للكاهن تمنع القضاء الجزائي من استدعائه في قضية تدخل ضمن اختصاصه وحق القضاء في التحقيق والملاحقة،إذ أن الاجتهاد التمييزي رقم 124/2021 يؤكد اختصاص القضاء العدلي في ملاحقة الإكليريكيين عن الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات، من دون اشتراط إذن كنسي مسبق. أما النقطة الأهم فتتعلق بقانونية الإجراءات المتخذة إذ يجب أن يكون للاستدعاء أساس قانوني واضح، وأن تحترم إجراءات التبليغ والاختصاص والحقوق القانونية للشخص المستدعى. كما أن الظروف الأمنية وصعوبة انتقال الأب العميل من رميش تستدعي معالجة عملية لا تلغي صلاحية القضاء ولا تتجاهل الواقع الميداني.







