أبرز العناوينبين الجغرافيا والنظام: أين تعثّر مشروع لبنان الكبير؟

بين الجغرافيا والنظام: أين تعثّر مشروع لبنان الكبير؟

أنطوان قسطنطين

مئة عام مرَّت على وضع أول دستور لدولة لبنان ولا يزال السؤال، هل إنّ هذه الدولة قابلة لأن تحكُم نفسها وتحمي استقرارها؟ هل إنّ المشكلة هي في التنوُّع بحدّ ذاته أم في الطريقة التي جرى فيها تنظيمه داخل الدولة؟ هل المشكلة في العيش معاً أم إدارته؟ تزداد الأسئلة حضوراً مع تطويب البطريرك الماروني الياس الحوّيك، الذي ينقسم اللبنانيّون حول مشروعه بين الطوائف وداخلها، ويتبارون في الانتقاد وأحياناً المزايدة، من دون تقدير ماذا كان البديل المحتمل للبنان الكبير.

لقد ثبَّت الحويّك جغرافيا الكيان اللبناني مستفيداً من نتائج الحرب العالمية الأولى، لكنّ الجغرافيا شيء، وبناء الدولة شيء آخر. فالنظام الذي وُلِد لم يكن من مسؤولية البطريرك. نظام لم يُبنَ على قاعدة تُنتِج مواطنين، بل على تسوية صاغها الانتداب الفرنسي ارتكازاً على نظام المتصرِّفية ومصالح فرنسا. لم تُنتج تلك التسوية مواطنين متساوين داخل دولة، بل رعايا تخاف وتكره بعضها بعضاً، وتلتف حول زعامات تستخدمها إذا توافقت أو تصارعت على السلطة.

لم يكن الخطأ في الاعتراف بالتنوُّع اللبناني، فلبنان، بحكم تاريخه وتركيبته، لا يمكن أن يكون دولة أحادية الهوية أصلاً. بدأ المأزق عندما تحوَّل التنوُّع من معطى اجتماعي وثقافي إلى أساس للنظام السياسي نفسه، فصار الانتماء الطائفي هو المدخل إلى الدولة، لا مجرّد خصوصية داخلها.

هكذا نشأت دولة يديرها توازن الجماعات بدل أن تسمو هي فوق الجماعات. لم تتكوَّن هوية وطنية جامعة، بل تشكّلت هدنة هشّة بين هويات متجاورة قسراً، كان العثماني يحكمها بقوّة السلطان.

منذ الاستقلال، عاش لبنان في بحث دائم عن التوازن بين الطوائف أكثر ممّا عاش في بناء استقرار وطني. كل مرحلة كانت تحتاج إلى راعٍ خارجي يحفظ تماسك الداخل، منذ حقبة الانتداب الفرنسي، إلى التفاهمات العربية والإقليمية، ثم اتفاق الطائف بضماناته الخارجية. كأنّ النظام اللبناني، بحُكم بُنيته، عاجز عن إنتاج استقراره الذاتي. فالأنظمة الطائفية تحتاج دائماً إلى ضامن خارجي، لأنّ شرعيّتها الداخلية تبقى ناقصة، وثقة الجماعات بعضها ببعض تبقى مهتزّة.

لهذا، تبدو أزمة لبنان أعمق بكثير من أزمة فساد أو سوء إدارة أو خلل في الحُكم. إنّها أزمة نموذج فشل في إنتاج دولة مستقرّة، فبدل أن تجد الطوائف صيغة لقيام دولة ضامنة، تحوَّلت هي إلى كيانات تتقاسم الدولة.

على امتداد سنوات طويلة، شغلتني مسألة بقاء لبنان أكثر من أي قضية أخرى. درستها، وعشتها، وانخرطت فيها فكرياً وسياسياً، لا بوصفها قضية نظرية، بل كمسألة مصير. مع الوقت، تأكّد لي أنّ أزمة لبنان ليست أزمة داخلية معزولة، بل هي جزء من أزمة أوسع يعيشها المشرق كلّه منذ نهاية السلطنة العثمانية وإعادة رسم خرائط المنطقة بعد الحرب الكونية الأولى. فالدولة اللبنانية نفسها لم تتكوَّن تاريخياً بمعزل عن التحوُّلات الكبرى في المشرق، ولا عن الصراع المفتوح على فلسطين وهوية المنطقة. من هنا، يصبح من الصعب الحديث عن استقرار دائم للبنان أو ازدهاره بمعزل عن سوريا وفلسطين ومَن يعيش فيهما. فلبنان ليس جزيرة منفصلة عن محيطها، وأي محاولة لعزل مصيره عن مصير المشرق ستبقيه عرضة للانفجار عند أول تحوُّل إقليمي كبير.

لهذا، أعتقد أنّ أي حلّ لبناني سيظل ناقصاً ما لم تجِد القضية الفلسطينية حلاً عادلاً وتاريخياً. ليس فقط من أجل الفلسطينيّين، بل أيضاً من أجل مستقبل المنطقة كلّها. فالسؤال لا يتعلّق فقط بالحدود أو الأمن، بل بإمكان انتقال هذا الشرق، بما فيه إسرائيل، من منطق الصراع الدائم إلى منطق التسويات والتعاون.

إنّ أي سلام لا يضمن عدالة حقيقية للفلسطينيّين سيبقى سلاماً هشاً، وأي استقرار إقليمي لا يفتح الباب أمام تعاون اقتصادي وإنساني واسع بين شعوب المنطقة سيبقى مؤقتاً وقابلاً للإنهيار. وحدها تسوية تاريخية عادلة تتيح لشعوب هذا الشرق أن تنتقل من إدارة الصراعات إلى بناء المصالح المشتركة، مهما كان شكل الدولة التي يختارها اللبنانيّون أو السوريّون، وشكل الدولة أو الدول التي قد تتفاهم عليها مختلف مكوِّنات أرض فلسطين التاريخية، بغضّ النظر عن الانتماءات العرقية أو الدينية.

أمّا في الداخل اللبناني، فالسؤال الذي لم يُطرَح بصدقٍ كافٍ منذ قرن، هو التالي: هل يريد اللبنانيّون فعلاً دولة مواطنين، أم مجرّد صيغة أكثر راحة لإدارة الطوائف؟ هل المطلوب إلغاء التعدُّد، أم تحرير الدولة من الارتهان الدائم لهذا التعدُّد؟ وهل المشكلة في النظام وحده، أم أيضاً في غياب ثقة تاريخية متبادلة بين الجماعات اللبنانية؟

يحتاج لبنان إلى دولة تحمي مساحته وكامل حدوده، ويكون التحييد عن الصراعات الخارجية جزءاً من ميثاقها ودستورها. لكنّه يحتاج أيضاً إلى نظام يرتكز على توزيع واسع للصلاحيات الاقتصادية والإنمائية والإدارية على المناطق، أي الانتقال من السيطرة المركزية إلى الإدارة المرنة. في هذا السياق، تبدو اللامركزية الجدّية فكرة تستحق النقاش بعيداً من الشعارات والانفعالات، ليس بوصفها مقدمة للتقسيم، بل كوسيلة لتخفيف الصراع على المركز. فلبنان، بحُكم تداخله الجيو-ديمغرافي، لا يشبه النماذج الفدرالية الكلاسيكية القائمة على حدود قومية واضحة، لكنّه أيضاً لم يعُد يحتمل مركزية سياسية وإدارية تُحوّل كل تفصيل إلى صراع وجودي.

لكن حتى هذا الطرح يبقى غير كافٍ إذا لم يترافق مع خطوات تلغي الخوف المتبادل، فلبنان يعيش حال قلق جماعي متبادل: خوف المسيحي من الذوبان، وخوف الشيعي من التهميش، وخوف السنّي من فقدان الدور، وخوف الدرزي من الإلغاء. لا دستور 1926، ولا ميثاق 1943، ولا الطائف نجحت في تبديد هذه المخاوف، التي حوّلها النظام إلى قاعدة سياسية كان يُعيد إنتاجها بعد كل أزمة.

ليس المطلوب إلغاء الطائفية دفعة واحدة، لأنّ ذلك قد يكون وهماً نظرياً أكثر منه مشروعاً واقعياً. التحدّي الحقيقي هو بناء هوية مصالح بين مواطنين متساوين، تحول الطائفة من وحدة حكم إلى مساحة اجتماعية وثقافية، وتجعل المواطن أقل حاجة إليها ليشعر بالأمان والكرامة والحقوق.

بعد قرن على التأسيس، لم يعُد السؤال كيف نحافظ على التوازن بين الطوائف، بل كيف نبني دولة لا يخاف فيها أحد من الآخر. دولة قادرة على حماية التعدُّد من دون أن تتحوَّل أسيرة له، وقادرة على الانتماء إلى محيطها بدل العيش في قطيعة دائمة معه. فالدول لا تستقر حين تتوازن مخاوف جماعاتها، بل حين يطمئن مواطنوها إلى أنّ الدولة تحمي الجميع بالتساوي.

- إعلان -
- إعلان -
- إعلانات -
- إعلانات -

الأكثر قراءة

- إعلانات -
- إعلانات -
- إعلان -
- إعلان -